الفيلسوف الذي أباح للجيش الإسرائيلي قتل المدنيين

تم نشره في السبت 7 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً
  • الفيلسوف الذي أباح للجيش الإسرائيلي قتل المدنيين

هآرتس - عاموس هرئيل

     

عندما يُسأل ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي عن قتل مئات المدنيين الفلسطينيين في القتال في قطاع غزة، فإنهم يطرحون جوابا شبه موحد: استخدام القوة الكثيفة يرمي الى حماية حياة الجنود - وفي الخيار بين حياة المقاتلين وحياة مواطني العدو، الذين يعمل ارهابيو حماس تحت رعايتهم، فإن الجنود يسبقون.

رد الجيش الاسرائيلي على الادعاءات لا يبدو عفويا او اعتباطا. فقد دخل الجيش الى القطاع وفي وسعه ان يقدر على يقين عال نسبيا ماذا ستكون نتائج القتال ضد الارهاب في منطقة مكتظة بهذا القدر. وقد عمل هناك ليس فقط بإسناد من فتاوى قانونية من النائبة العسكرية العامة بل وايضا استنادا الى نظرية اخلاقية تبرر اعماله، صيغت قبل بضع سنوات.

البروفيسور آسا كيشر من جامعة تل أبيب، الحائز على جائزة اسرائيل في الفلسفة هو الفيلسوف الذي أعطى الضوء الأخضر للجيش الاسرائيلي. ففي مقابلة مع "هآرتس" يقول كيشر ان الجيش الاسرائيلي عمل حسب مدونة مكافحة الارهاب التي تبلورت قبل نحو خمس سنوات "والمعايير التي استخدمها القادة في غزة كانت بشكل عام سليمة". وفي رأيه، لا مبرر لتعريض حياة المقاتلين للخطر من اجل منع قتل مدنيين يسكنون في احياء الارهاب. ويقول كيشر إن رئيس الاركان غابي اشكنازي، "يعرف مبادئنا على نحو جيد جدا. منذ الوثيقة الاولى التي بلورت في 2003 وحتى اليوم".

حجة كيشر باختصار وتبسيط، تعتقد انه في المناطق التي لا يوجد فيها للجيش سيطرة فاعلة (مثلما في قطاع غزة)، فإن القيمة العليا امام القادة هي تحقيق الهدف. بعدها، يأتي منع تعريض حياة الجنود للخطر وأخيرا الامتناع عن المس بمدنيي العدو. ومع ذلك، ففي المنطقة التي يوجد لاسرائيل فيها سيطرة فاعلة، مثل شرقي القدس لا يوجد أي مبرر لـ "إحباط مركز" يصاب فيه مدنيون لانه يمكن اختيار اعمال حفظ النظام العادية (مثل الاعتقال) التي لا تعرض حياة الابرياء للخطر.

"من ناحية اسرائيل الجار أقل أهمية"

الصلة بين البروفيسور كيشر والجيش عميقة وطويلة. فقد صاغ كيشر المدونة الأخلاقية للجيش الاسرائيلي في منتصف التسعينيات. وفي 2003 اشترك مع اللواء عاموس يدلين (رئيس شعبة الاستخبارات) في كتابة مقال تحت عنوان "قتال أخلاقي ضد الإرهاب" وفيه تبرير لـ "الإحباطات المركزة" (الاغتيالات لنشطاء الارهاب)، حتى بثمن المس بمدنيين فلسطينيين يمكثون على مقربة منهم. وفي السياق، عالج كيشر ويدلين وفريق ضم رجال قانون من الجيش الاسرائيلي هذا المقال ليجعلوه وثيقة أوسع: "أخلاقيات الجيش في الحرب ضد الارهاب". ويقول كيشر إن رئيس الاركان في حينه موشيه بوغي يعلون وان لم يجعلها وثيقة عسكرية ملزمة الا انه تبنى الافكار التي تضمنتها. وقد عرضها الفيلسوف منذئذ في عشرات المحافل، في الجيش والمخابرات الاسرائيلية.

" ترجم المقال الى الانجليزية ايضا، في مجلة شؤون الاخلاقيات العسكرية ومايزال الجدل قائما حوله. ردود الفعل في معظمها ايجابية، رغم أن الرسالة عسيرة على الهضم. ففي النهاية يعترف الجميع بانهم يتصرفون هكذا، ويؤكد كيشر أنه "لا يوجد جيش في العالم يعرض جنوده للخطر كي لا يصاب جيران العدو او الارهابي".. ويضيف أنه "يوجد سوء فهم في الاتصال بالنسبة لطبيعة القانون الدولي. فلا يدور الحديث عن قوانين نقليات متصلبة. قسم كبير منها هو قانون عرفي. السؤال الحاسم هو كيف تتصرف الدول المتنورة. نحن، في اسرائيل، ذوو دور مركزي في تطوير القانون في هذا المجال، اذ اننا نوجد في جبهة الكفاح ضد الارهاب. وهذا يلقى قبولا بالتدريج في العالم وفي الجهاز القضائي الاسرائيلي ايضا. بعد البحث في محكمة العدل العليا في موضوع الاحباطات لم تكن هناك حاجة لتغيير حتى ولو فقرة واحدة في وثيقة يدلين وأنا. ما نفعله نحن يصبح القانون. هذه مفاهيم ليست قانونية بحتة، بل يوجد فيها عنصر اخلاقي قوي".

ويشرح كيشر بأن "ميثاق جنيف يقوم على اساس تقاليد مئات السنين، نظرية القتال العادل، التي تناسبت مع الحروب الكلاسيكية، التي يقاتل فيها جيش جيشا آخر. ولكن في عهدنا كل قصة نظرية القتال العادل انتحرت. يوجد جهد دولي لاعادة صياغتها كي تتناسب والحرب ضد الارهاب. حسب الصيغة المتجددة مايزال هناك مجال للتمييز بين من هو مسموح ومحظور المس به. ولكن ليس بالشكل الفظ الذي كان قائما في الماضي. كما أن مفهوم التوازنية يتغير: لا يوجد أي منطق في التشبيه بين عدد المدنيين والمسلحين الذين قتلوا في الجانب الفلسطيني او في احصاء قتلى صواريخ القسام".

هل هناك اعتقاد بأن على الجيش الاسرائيلي أن يعمل في القطاع انطلاقا من نهج "صفر مخاطرة" على حياة الجنود؟ "يوجد خطر على حياة الجنود لمجرد وجودهم هناك. إننا بعثنا بهم الى منطقة يعمل فيها قناصة العدو وزرعت فيها عبوات. وقد ارسلناهم الى هناك لمقاتلة الارهابي، ولكن لماذا يتعين علي ان اجبرهم ان يخاطروا بأنفسهم اكثر مما ينبغي كي لا يقتل جار الارهابي؟ لا جواب عندي على ذلك.

من ناحية دولة اسرائيل الجار اقل اهمية. وأنا ملزم تجاه أكثر. اذا كان هذا الجار او الجندي الاسرائيلي، فالأولوية للجندي. كل دولة كانت ستتصرف هكذا".

القرار بشدة الوسائل التي تستخدم للحفاظ على حياة الجنود محفوظ بيد القائد في الميدان. "على القائد أن يكون خبيرا في تقنين الوسائل"، يقول كيشر. "يوجد هنا استعارة من الشرطة التي يفترض ان تستخدم بالضبط القوة اللازمة لهدفها. هذا هو التوقع من القائد: ان يستخدم الوسيلة الكافية لإزالة الخطر، لا يؤدي الى قتل زائد في المحيط. قاذفة هاون، دبابة، مروحية، طائرة قتالية - كل شيء منوط بالظروف. علينا أن نتحرر من النهج الذي يتناول بقلق مقدس حياة الآخرين وباستخفاف تام لحياة المقاتلين. المقاتل ليس مصدرا متآكلا".

بعد موت جنود الاحتياط في المعركة في مخيم جنين للاجئين في 2002 اتهم الاهالي الثكلى وزير الحرب في حينه بنيامين بن اليعيزر، الذي رفض المصادقة على قصف المخيم بالطائرات القتالية، قبل دخول القوات. "لا اعتقد أنه كان للدولة جواب جيد لأهالي هؤلاء الجنود"، يقول كيشر. "لماذا قتل الابن؟ كي لا يقتل الجار؟ حياة الجار لا تساوي أكثر. في جنين كان بوسعنا أن نتخذ وسائل قبل دخول القوات، مثلما استخدمت هذه المرة في القطاع: السلاح غير القاتل، المناشير، التحذيرات الهاتفية، التأكد بعد ذلك من أن المدنيين انصرفوا وعندها - من يبقى، دمه في رقبته".

ولا يشخص كيشر نقلة تدريجية في سياسة الجيش الاسرائيلي، توسع حاجز الوسائل والتقنيات المسموح استخدامها. وهو يقول: "الجيش الاسرائيلي يستخدم هذه المبادئ منذ 2004 فما بعد، باستثناء أنها تلقت هذه المرة بروزا أكبر. لم نغير منذ ذلك الحين شيئا. ما حصل هو أن الوثائق دخلت في مداولات واستعراضات اكثر في الجيش ووصلت ايضا الى علم القادة في مستويات اقل ارتفاعا. حصل لي ان تحدثت عن ذلك في فرص كثيرة مع ضباط كثيرين. منذئذ بات هذا يشرح بشكل أفضل".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عدم أحترام النفس البشرية (A Ata)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    ما يقوله كيشر مثال واضح صريح وحقيقي يبين كيف يفكرالصهاينة تجاه الفلسطينيين والعرب الآخرين وربما تجاه كل الشعوب الأخرى، بحجة أن النفس اليهودية أغلى وأثمن من أي نفس بشريةأخرى. وبعد مشاهدة ما حدث أخيرا من محرقة وقتل في غزة، وعليه يفترض على كل دول العالم أن تعتبر إسرائيل بأنها دولة شريرة لا تحترم القوانيين الدولية والشرائع السماويةوالعرف الإنساني.
  • »عدم أحترام النفس البشرية (A Ata)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    ما يقوله كيشر مثال واضح صريح وحقيقي يبين كيف يفكرالصهاينة تجاه الفلسطينيين والعرب الآخرين وربما تجاه كل الشعوب الأخرى، بحجة أن النفس اليهودية أغلى وأثمن من أي نفس بشريةأخرى. وبعد مشاهدة ما حدث أخيرا من محرقة وقتل في غزة، وعليه يفترض على كل دول العالم أن تعتبر إسرائيل بأنها دولة شريرة لا تحترم القوانيين الدولية والشرائع السماويةوالعرف الإنساني.