روك دالتون: شاعر سلفادور الثائر نجا من حكم الإعدام مرتين

تم نشره في الثلاثاء 3 شباط / فبراير 2009. 09:00 صباحاً

مدني قصري

عمان- "أيًا كانت نوعيته، وجودته، ومستواه، وطاقته الإبداعية، ونجاحه، فإن الشاعر، في نظر البرجوازية، لا يمكن أن يكون سوى خادم، أو مهرّج، أو عدو!"

كاتبُ هذه الأسطر، الشاعر السلفادوري روك دالتون (1935/1975)، كان مدافعًا شرسًا عن الطبقة العاملة، فكان بذلك عدوّا لدودًا للطبقة الغنية.

لقد عرفت الأوليغارشية (حكم الأقلية) السلفادورية، بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية، كيف ترقى إلى مصاف طليعة القمع العالمي. كانت تعرف كيف تعامل أعداءها، كما ينبغي لهم أن يعاقبوا، وكان روك دالتون، بلا جدال، واحدًا من هؤلاء الأعداء. لقد أوقف، وحُوكم، وسُجن، وعُذّب، وفي النهاية اضطر لأن يعيش في المنفى. وقد حُكم عليه بالإعدام مرتين، لكنه نجا من هذا الحكم مرّتين، في ظروف هائلة وغريبة. نجا في المرّة الأولى حين صادف الانقلابُ على الحكم، ليلة تنفيذ ذلك الحكم، فحصل دالتون، بفضل هذا الانقلاب على العفو. ونجا في المرة الثانية حين حدث زلزال عنيف أدى إلى انهيار جدران السجن، فكانت فرصة لهروبه منه.

روك دالتون، هذا الكاتب الذي لا يعرف الكلل، كثيرًا ما كان يكرّس البعض من أوقاته، لكتابة الشعر. فعلى خلاف قصائد الشاعر بابلو نيرودا -الذي كان معجبًا به كثيرًا-، كانت لغته الشعرية هي لغة الشعب أساسًا. فالعبارات الشعبية، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقصائده الشعرية. ومن خصائص شعر دالتون، المرح والفكاهة، حيث أنّ لجوءه إلى الضحك، والسخرية، والجناس، وهي المميزات التي كان يمارسها بمهارة عالية، صنعت صيته، وشعبيته الواسعة. فلا غرو، أن يصفه الناس والنقاد، بالرجل القادر على إضحاك الصخر!   

انخرط روك دالتون في الحزب الشيوعي السلفادوري العام 1957. وفي السبعينيات، دخل هذا الذي اعتنق الثورة عن طريق الشعر، خلسةً إلى السلفادور. كان في تلك الأيام لاجئًا في كوبا. والتحق بالكفاح المسلح الذي كانت تديره قيادة الجيش الثوري الشعبي. 

وقد صنعت ظروف موته، شهرته الكبيرة، وصيته الواسع. كان حظّه لغزًا من الألغاز المحيّرة. وكانت خلافاته الدائمة مع قيادة الجيش الشعبي، تثير غضب هذه الأخيرة وسخطها. لقد اتهمته هذه القيادة، أوّلا، بالتمرد وبالتواطؤ مع وكالة الاستخبارات الأميركية. ولم يفلت من  صدور حكم بالإعدام الثالث عليه، العام 1975.

وقد وصفت إحدى قصائده الشعرية، ذلك الجو الخانق الذي كان سائدًا في تلك الفترة، في الحركة الثورية السلفادورية وقيادتها:

"كل نقد للاتحاد السوفياتي لا يمكن أن يكون إلا من صنع مُعاد للاتحاد السوفياتي، وكلّ نقد للصين لا يمكن أن يكون إلا من صنع مُعاد للصين. وكل نقد للحزب الشيوعي السلفادوري لا يمكن أن يكون إلا من صنع عميل لوكالة الاستخبارات الأميركية. وكل نقد ذاتي يعادل انتحارًا!"

فيما بعد، أثبت التاريخ أن روك دالتون كان بريئًا. وعلى العكس من ذلك، فقد آوت قيادة الجيش الثوري الشعبي، رجلا ما لبث أن خان الثورة، حيث أن "ج. فيلالوبو"، الذي وقّع على "اتفاقيات السلام"، العام 1992، يعمل اليوم في بريطانيا العظمى، حيث يقدّم خبرته الواسعة في حرب العصابات، لصالح المصالح البريطانية لمكافحة التمرد.

وتجدر الإشارة إلى أن الشعب السلفادوري كتب أنصع وأكبر صفحات تاريخه، بدمه الخاص. "لكن الأموات، كما كان روك دالتون يقول، يزدادون يومًا بعد يوم، عنادًا وتمردًّا وعصيانًا". لا شك أن طريق الرأسمالية المسدود، هو الذي قاد شعب السلفادور، من جديد، نحو طريق الثورة. وبفضل هذه الثورة المحتومة سوف تبني الأجيال الجديدة الصاعدة، عهدًا جديدًا من العدالة الاجتماعية، وهي تستعيد ذكرى أمجاد أجدادها الذين ضحوا بحياتهم وأرواحهم من أجل أن تصحو البشرية في النهاية.

التعليق