عبابنة: الكتابة النسوية الأردنية لم تستقر بانتظار خروجها من صدمة العولمة

تم نشره في الاثنين 2 شباط / فبراير 2009. 10:00 صباحاً
  • عبابنة: الكتابة النسوية الأردنية لم تستقر بانتظار خروجها من صدمة العولمة

ناقد يرى أن الأدب منجز إنساني لا يصنف جنسويا

حاورته: عزيزة علي

عمان- يرفض الناقد د. يحيى عبابنة تصنيف الأدب على اعتبار جنسوي، لرأيه أنه مفهوم يعنى به الناقد لتشخيص اللغة، مؤكدا في المقابل أن الأدب لا يميز بين أصنافه انطلاقا من جنس المبدع، لاعتقاده أنه منجز إنساني.

ويذهب أستاذ اللغويات في جامعة مؤتة إلى أن الكاتبات الأردنيات تحدين التابوهات، وأن نصوصهن باتت متداولة لدى النقاد، مستدركا أن الكتابة النسوية لم تستقر بعد، رائيا أن استقرارها يكون "بعد الانتهاء من هلوسات التأثر بصدمة العولمة".

ويدعو الناقد الأردني الى عدم التعالي على المنجز الإبداعي المحلي، معتبرا في المقابل كل كتابة محلية في قطرها، وأن من حق النص العربي أن ينال نصيبه من الدراسات النقدية، داعيا الكاتب الأردني كذلك إلى عدم استعجال الكتابة عن منجزه.  

صدر لعبابنة في النقد والإبداع: "قربان مؤاب"، "رجل وحيد جدا"، "الخربة الأبدية", "الشرخ"، "رابح والمجنون"، "خطوة إلى الأمام"، "رائحة امرأة" وتحاوره "الغد" في قضايا نقدية وإبداعية.

ـ دأب النقد على تصنيف الأدب إلى ذكوري ونسوي، وفي الشق الأخير حمل خطابا تنظيريا لقضايا المرأة، ومضى بالكتابة الإبداعية إلى مناطق تقريرية، بداية كيف تنظر إلى مسألة الفصل، ودواعيه؟

لست من مؤيدي الجنسوية باعتبارها مذهباً يمكن الالتزام به، من حيث الفصل بين الجنسين إبداعياً.

هذه الدعوة تحمل بين طياتها تناقضاً كبيراً، إذ إن مفهوم الجنسوية في الدراسات ليس مفهوماً أدبياً، بل هو مفهوم يهتمُّ به الناقد في تشخيص اللغة، ونعني هنا لغة المنجز الأدبي الذي يقوم الناقد انطلاقاً منه على أمر تحليل النص ورجع النظر فيه.

وأما الأدب، فلست أعتقد بوجود تمييز بين أصنافه انطلاقاً من جنس المبدع، لإنه منجز لغوي، والمنجز اللغوي فيما أحسب منجز إنساني ليس له علاقة بالجنس، فالأصل علمياً وفلسفياً أن اللغة عامة والنص المنطلق منها يتبع هذه العمومية، وأما الناقد فهو المعني بالتمييز بين منجز المرأة ومنجز الرجل ليظهر لنا ذكورة النص أو أنوثته أو موقعه من التذكير والتأنيث، وهو ما عرف عندنا في الآونة الأخيرة بالجنسوية، وهو في هذا الفهم الذي انطلق منه بعض دعاة تحرير المرأة أو المعنيين بقضاياها مخالف للمفهوم النقدي الذي نتحدث عنه علمياً.

وهذا يقودنا إلى مصدر الدعوة، وهو فهم خاطئ لما فرضته العولمة على العالم المفتون بها من دعوات لإنهاء الثقافات العالمية المنافسة لها، من أجل تحويلها إلى ثقافات محلية كسيحة غير قادرة على ممارسة الفعل الإنساني، حتى تنقاد التجمعات الثقافية إلى الخنوع لهيمنة ثقافة العولمة الجديدة، وهو نوع من الاستلاب الثقافي فُتِنَ به بعض المستفيدين، وانجرَّ وراءهم عدد من الواهمين أو الطامعين بتحصيل موقع في السفينة الجديدة التي اعتقدوا أنّها سفينة نوح، فكان أن طالبوا ببعض البرامج التي تثبت "للآخر" أنهم يسيرون في الركب نفسه، غير أن ما قدّموه كان "صفحات مرشومة بالحبر" لا غير، وتشكّل نتيجة هذا الحبر فريق لا يدري ما الجنسوية، قام على تشكيل "فهمٍ" خاصٍّ لهذا المفهوم، بعيد عن المفهوم النقدي، وأعتقد أن هذا المفهوم مفهوم ذهني تائه ضمن كثير من المفاهيم التائهة في العالم الثالث، لأنّه غير منطلق من وعيٍ تأصيلي أو وعي بالآخر، ولكنه بكل تأكيد بات يتنكّر للذات.

ـ وهل تعتقد أن المبدعة الأردنية، بالعموم، ابتعدت عن تلك الذهنية القصدية في الكتابة عن المرأة، وكيف تقيم منجزها في السنوات الأخيرة؟

أعتقد أنّ كثيراً من المبدعات الأردنيات قادرات على أن ينتجن نصوصاً رائعة تحمل رؤى متميزة منبعها الهم الأردني العام، بعيدا عن القصدية التي نراها حاضرة في المنطلق الفكري الذي تنطلق منه هذه الأعمال، فهي في كثير منها ومن جوانبها تنطلق من إصرار مسبق على التمييز بين الجنسين، وكأن هذا التمييز هو الذي يجب استحضاره حتى تتمكن المرأة من أن تكتب.

ولا أعتقد أن أحداً يمكن أن يعتقد فلسفياً بهذا الأمر، فقد تجاوزت المجتمعات الغربية عن هذه "الهموم" التي تعاني منها المرأة العربية، ولكن الأمر لم يتغير، فالمبدعة الغربية على نحو ما، تمكنت من الوصول إلى ما وصل إليه الرجل، ولا نريد أن نضرب أمثلة على هذا، ولكننا نستحضر أسماء أديبات غربيات ما زلنا نقرأ أعمالهن السردية ومنجزاتهن اللغوية الأخرى منذ عشرات السنين، وقد انبثق عن هذا دعوات كثيرة إلى التغريب، وكان من نتائج هذه الدعوات وجود أسماء عربية تمكّنت من الانعتاق من إسار الخصوصية، ولكنها فقدت الأصالة، فهي أسماء عربية وفكر بعيد عن أصالة الاسم.

وأما المبدعة الأردنية فقد قدّمت طاقتها التي وسعتها، ولا أعتقد أن عائقاً قد وقف في طريقها في سبيل القيام بدورها في هذا الخصوص، فقد كتبت ونشرت وتحدَّت التابوهات التي تخيلتها ردحاً طويلاً من الزمن، وها هي نصوصها بين أيدي النقاد الذين يمكن أن يقولوا كلمتهم في منجزاتهنّ الحاضرة، وسيستقرُّ الأمر أخيراً بعيداً عن الاستعراض والمجاملة، ولكنني من الذين يؤمنون بقوة أنَّ الساحة الأدبية الأردنية في جانبها النسوي لم تستقرّ بعد، وعندما تنتهي هلوسات التأثر بصدمة العولمة، سننتظر جلاءها عن منجزات المرأة الأديبة كما ستنجلي عن نصوص زملائهن من الرجال.

وفي هذا الصدد فإنه من واجب النقاد أن يُحَذِّروا من مغبة المبالغة في العناية بالنص انطلاقاً من جنس المبدع، لأنّ الأمر سيؤول إلى اجتراح نصوص نقدية لا قيمة لها، إذا انبنت على مجاملة النصوص التي تفتقر إلى شروط النصانية.

إنني أقرأ هذه النصوص التي تبدعها المرأة، ولي بعض الاهتمام بها، ولكنني بكل صراحة أنسى جنس المبدع عندما أبدأ بالاندماج في النص، فلا أرى إلا اللغة وما تفضي إليه، ولست معنياً بالقضايا الفكرية التي تنطلق منها النصوص كالمطالبة بخروج المرأة أو حقوقها إلا بمقدار ما تتجلى في النص إذا كان نصاً غير مبتسر.

وأما إذا كان محكوماً بالقصدية المسبّقة القائمة على "أن المبدعة تقصد إثارة قضية مصطنعة مباشرة" فإنني لن أجد نفسي قادراً على التفكير به مرة أخرى، بل إنني أدعو إلى عدم نبش مثل هذه النصوص إلا على أسس تحليلية لا علاقة لها بالنص الأدبي؛ لأننا عندها أمام نص تبشيري لدعاة الفكر المجرَّد.

ـ تستحضر البيئة الشعبية القديمة في كتاباتك، فهل في ذلك حنين إلى الماضي، أم رغبة لفهم الحاضر من خلال ما مضى؟

لِمَ نكتب وعمّن نكتب، إنني لم أولد إلا من هذه البيئة الشعبية العظيمة التي تؤلفنا وتؤلِّف بيننا، فتجارب الأديب تنطلق من تشكُّله في هذه البيئة، ولا بدَّ أن يظهر في أدبه ماؤها وهموم حياتها، وهواؤها وأفراحها إن كان ثمة أفراح، ومكامن هزيمة الإنسان وانكساره فيها.

إننا نستطيع أن نغيِّر شيئاً في أشكالنا، وأن نتجمّل، وأن ندّعي، ولكننا لا يمكن أن نغيِّرَ تَشَكُّلَنا، بيئتي الشعبية هي كل ما تبقى لي في هذا الكون فأنا أعترف بحنيني الدائم إلى بساطتها وألفة موجوداتها، ورقة ممارستي التداخل الحميم معها.

- تهرب في نصوصك من طرح التساؤلات العادية، إلى التساؤلات الفلسفية، لماذا؟

إذا تمكَنت من أن أطرح سؤالاً فلسفياً كما تقولين، فإنني لا أعدُّ هذا سلبية من السلبيات، بل إن كثيراً من التساؤلات العادية هي تساؤلات فلسفية، أتمنى لو أنني كنت أفهم الكون والحياة بصورة أكثر مما هو حاصل، فالحياة مليئة بالغرائب، وأعتقد أن الإنسان محمول على النظر في الكون والحياة أكثر مما يفعل، حتى يتقي مكر الحياة ولو إلى حين.

وأما إذا قصدت بالتساؤلات العادية ما نعنيه بالتساؤلات الساذجة، فإنني أومن بأن كلَّ مبدع مكلّف بنقل رؤاه إلى الآخرين الذين لا يرون ما يرى، من هنا فإنني شديد إعجاب بتسمية مؤلف ملحمة (جلجامش) نفسه باسم غريب (هو الذي كتب)، في حين يسمي الشاعر الضمني في عمله باسم (هو الذي رأى)، فالذي كتب ينقل رؤيا من رأى إلى من لم يمارس فعل الكتابة ولم يرَ على أكثر تقدير.

ـ الحراك النقدي الأردني كثيرا ما يواجه بتذمر من قبل المبدعين لتجاهله منجزهم، وانصرافه إلى قراءة إبداعات عربية؟

لقد خطا النقد الأردني خطوات كبيرة نحو الإمام، فنحن نجد على الساحة النقدية أسماء كثيرة يمكن أن تحمل همّ دراسة النص العربي، ولكنني أهيب بهم جميعاً ألا يشكلوا موقفاً يتعالى على النص المحلي باعتباره موصوماً بالمحلية، فكل النصوص العربية نصوص محلية في أقطارها، فمن حقِّ النص العربي في الأردن أن ينال نصيبه من الدراسات النقدية الأردنية حتى يتسنى له الخروج من المحلية ليتخذ موقعه بين النصوص العربية الجديرة بالاقتفاء والتتبع والنقد والتحليل.

وأما المنجز الإبداعي الأردني فإنني أرى ألا يتعجَّل أصحابه الكتابة عنه، فالكتابة المتعجلة في الغالب كتابة ليست ناضجة، وقد تضرُّ بالمنجز الإبداعي أكثر مما تنفعه، زيادة على افتراض مبدأ المعرفة بصاحب النص أكثر من النصِّ نفسه.

ـ طغى الهم الأكاديمي والبحثي على منجزك الإبداعي. فهل ما راكمته من كتابة وبحثية ونقدية ألغى نشوة الكتابة الإبداعية؟

لقد بدأت حياتي الأكاديمية منذ زمن بعيد، وكان همي الأكبر هو أن أؤسس منهجاً أحتمي به من الفوضى والانطباعية، ولما كان موضوعي في التخصص هو اللغويات، فقد كان لا بد من التوسع في المعرفة وابتداع طريق خاصة، وبعد بذل الكثير من الجهد اعتقدت وما زلت في الحقيقة أعتقد بأنني وجدت ضالتي في المنهج التاريخي المقارن، فانصرفت إلى البحث في اللغات القديمة مع عدم إهمالي للجانب الإبداعي، ولهذا فقد أصدرت عدداً من النصوص الإبداعية التي ترتكز إلى التاريخ والإيديولوجيا زيادة القصص القصيرة التي تحتفل بالفانتازيا، غير أنني أود أن أعترف بأنّ جهدي في اللغات السامية القديمة قد حدّ من كتاباتي الإبداعية إلى درجة كبيرة، ولاسيما في العمل الذي أعكف الآن على إخراجه بصورة نهائية وهو معجم المشترك العربي السامي الذي سيصدر في بضعة أجزاء.

ومع ذلك فإنني أرى أنني خسرت كثيراً عندما توقفت أو كادت أعمالي الإبداعية، إذ إن آخر عمل صدر لي هو المجموعة القصصية "رائحة امرأة".

- هل يحضر الناقد عندما تبدأ في كتابة نصك الأدبي؟

إن المبدع مكلّف بكثير من الخصوصيات، فهو مكلّف باستحضار عدد من المحرَّمات الكبرى عندما يكتب النص، كتمرّد الشخوص وتمرد السارد والخوف من الناقد، ومعظم المخيفات التي تقيّد من إبداعه، إنني كثير الخوف من هذا الناقد، ولذلك فإنني ألجأ إلى إرضائه عن طريق إدخاله شريكاً في العمل السردي، فأوظِّفه اتقاءً لشرِّه، أحيانا، وهو ما يعرف باسم الميتاقص أو أنّه جانب منه.

ولكن هذا الأمر ليس دائماً، فكثيراً ما أتناساه ولا أستحضره، بل أحسبه ناقداً من الوسط النقدي، وليقل ما يشاء بعد الانتهاء من العمل الذي أقوم به، فمن حقه أن يقول ما يشاء عندها كما هو لغيره.

التعليق