دلع الأطفال: بين رفق نصّت عليه الأديان وتفريط يخلق جيلاً بلا مَلَكات

تم نشره في السبت 31 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • دلع الأطفال: بين رفق نصّت عليه الأديان وتفريط يخلق جيلاً بلا مَلَكات

مجد جابر

"لمين طالع هذا الولد" هذا ما كان يقوله أبو أنس الذي بات يعاني من تصرفات ابنه غير المسؤولة والطائشة وطلباته اللامتناهية، بالاضافة الى رجوعه في أوقات متأخرة الى المنزل وكأنه يقيم في نزل.

إلا أن ما تبين لـ أبو أنس في وقت لاحق أن كل ما يحدث مع ابنه الآن هو نتيجة دلع ودلال والدته له ومعاملتها الدائمة له على أنه طفلها المدلل، واعطائه كل ما يريده حتى لو كان ذلك الشيء من دون علم زوجها.

والحل كان بالنسبة لـ أبو أنس هو اللجوء الى القسوة في بعض الاحيان من أجل اصلاح ما أفسدته والدته.

ترى اختصاصية الارشاد الاسري نبيلة عودة، أن تكوين شخصية الطفل يكون دائماً من سن ثلاث إلى ست سنوات وهذا العمر يعد أهم سن لتعليم الطفل القيم والعادات السليمة المهمة.

وتشير عودة الى أن الدلال هو قيام الأهل بالاشياء التي يستطيع الطفل القيام بها بنفسه من دون مساعدة من أي شخص، بالاضافة الى عدم توجيهه الى الفعل الصحيح عندما يخطئ، وأنه يجب عليه القيام بأعمال تساهم وتساعد في بناء شخصيته.

في حين يقول اختصاصي علم الاجتماع د. حسين محادين أن الاعتمادية الزائدة للأبناء على الاهل، تؤدي الى ضعف في شخصية الابناء وتنعكس على عدم قدرة الابناء على اتخاذ قرارات ذاتية ومرتبطة في شؤون الحياة، ومن هذه الامثلة القدرة على اختيار الاصدقاء والتمييز بينهم وتنمو هذه الامثلة وصولاً الى اختيار التخصص الاكاديمي أو حتى اختيار شريك الحياة.

تشتكي والدة محمد من الحالة التي وصل اليها ابنها بسبب الدلال المفرط الذي يلاقيه من جده، وتقول أنها كلما منعت ابنها من شيء وعوّدته على الفعل الصحيح من أجل مصلحته، تتفاجأ بجدّه يقوم بتلبية كل ما يريده له وفي حال منعت ابنها من القيام بشيء بات لا يكترث لها لأنه يعلم أن جده سيقوم بتلبية طلبه.

وتضيف عودة أن الدلال لا يتم فقط عن طريق الاهل، انما أيضاً من حولهم من أجداد وغيرهم قد يكون له دور كبير في دلال الطفل، والام هي القادرة على السيطرة على ابنها ومراحل تكوّن شخصيته، فالدلال اذا زاد على حده تفسد شخصية الطفل وعندما يكبر يواجه مشكلة كبيرة في تحمل المسؤولية.

وتشير الى أن الاهل دائماً يريدون تعديل سلوك أبنائهم بعد فوات الاوان وبعد أن تكون قد ظهرت عليه ما نسميه فواتير الدلال وهي العناد، والغيرة، والعصبية، فعندما تظهر تلك الصفات تصبح عند الاهل ردة فعل قاسية مثل الضرب مثلاً والانتقال من مرحلة الدلال الى مرحلة القسوة.

ويضيف الخزاعي أن الانسان الذي يعتمد على والديه كثيراً هو الاضعف في الادارة الموقفية والمقصود الملكات والمهارات التي من شأنها أن تساعده على التوصل الى قرار رشيد في أي موقف طارئ أو استثنائي يواجهه في حياته.

الى ذلك فإن الثقافة العربية الاسلامية لدينا تتصف بطول مدة الاعالة للأبناء، أي أن الاهل يبقون على مصاحبة أبنائهم وقيادتهم وحتى التدخل في قراراتهم في جل القضايا الحياتية التي تواجه الابناء، ومن العوامل التي تساعد على ذلك اعتقاد الآباء أن خبراتهم دائماً ناجحة في تقديم النصح والتأثير على قرارات الابناء، الأمر الذي يسهم ضمناً في عدم تبلور هوية فردية للأبناء.

وتشتكي والدة عصام من الحالة التي وصل اليها ابنها بسبب الدلال المبالغ فيه له، وتذهب إلى أنها لم تعد مسيطرة على تصرفاته وكثرة طلباته وعدم شعوره بالمسؤولية، وأنها نادمة على افراطها في تدليله وعدم سماع نصيحة والدتها التي كانت دائمة القول لها بأنها سوف تعاني من تصرفاته في المستقبل.

وتشير عودة إلى أن العوامل التي تساعد على التخلص من الصفات السيئة لدى الطفل المدلل تتنوع بحسب شخصية الابن مع ضرورة عدم اللجوء الى القسوة، "كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى وقال (ما كان الرفق في شيء الا زانه وما نزع من شيء الا شانه). فهذا هو ما نسميه الرفق والرحمة في آن واحد مع ضرورة وجود الحزم في المواقف التي تتطلب ذلك".

ويرى اختصاصي الطب النفسي د. جمال الخطيب أن الدلال اذا كان مقصودا به تقبل السلوك الخاطئ من قبل الطفل فهو مرفوض تماماً وبأشكاله كافة، أما اذا قصد به التسامح مع الاطفال فهذا مطلوب.

كما أن من المهم جداً توعية الابناء الى الامور التي يمكن القيام بها والامور التي لا يسمح بها ولماذا هي أمور غير مسموح بها، اما اذا سمح للأبناء القيام بأشياء خاطئة من أجل الدلال الزائد فسوف ينشأ بشكل ضعيف جداً فكلما طلب شيئا حصل عليه من دون عناء وعندما يكبر سوف يدرك أنه لن يستطيع الحصول على شيء وحده فإما يلجأ الى طرق غير مشروعة أو ينكمش على نفسه.

ويؤكد على أنه ليس هناك شيء غير قابل للتغيير حتى بعدما يكبر الإنسان وينضج. لأن "التغير والتطور سمة إنسانية موجودة في كل ظرف وكل وقت، وهي البديل الإنساني الموضوعي والذاتي لعبارة فات الاوان، ولكن مع ضرورة معرفة مفاتيح الإصلاح".

التعليق