قمة متوقعة لتحديد الجهة المسؤولة عن إعادة إعمار غزة

تم نشره في الاثنين 26 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً
  • قمة متوقعة لتحديد الجهة المسؤولة عن إعادة إعمار غزة

معاريف – بقلم: جاكي خوجي

جلس وزير خارجية قطر، الشيخ حمد بن جاسم، أمام جماعة صحافيين ولم يسترح للحظة. تكلم عن الاتصالات العصبية التي سبقت مؤتمر القمة الذي استضافه بلده في يوم الجمعة الماضي من اجل غزة. وعندما وصل الى محاولات تملص ابي مازن، انتقل الى اللغة العامية. "اقسم انني اقول لكم ما قال كلمة كلمة"، قال لسامعيه، دعي الى القمة ايضا سورية وإيران، وتبين انه طلب الى الرئيس الفلسطيني من اصدقائه المصريين مقاطعة المناسبة كي لا يهب للقطريين كثيرا من الراحة. ومثل ولد صغير يخاف ركوب الارجوحة لئلا يشعر بسوء، اختلق ابو مازن على مسمع محدثه طائفة من الاعذار كي يتركه لنفسه فقط. لكن القطري الذي تخيل كيف سيظل كرسي الرئيس فارغا، رفض ان يفهم الرمز.

في تلك الساعات كانت قد اخذت تتنظم قمة اخرى في الكويت برعاية الجامعة العربية. لكن هذا لم يثر اهتمام القطريين حقا. فقد ارادوا الجمع في ساحتهم الخاصة. في البدء حاول ابو مازن الخيار الساذج. قال انه اتصل بعمرو موسى الامين للجامعة العربية، وان هذا قال له انه لا توجد قمة البتة. "يا اخي لماذا لم تقل لي؟"، صرخ القطري "اتصل بنا واسأل. انت تعرف الرقم، وتعرف كيف تتصل". حاول ابو مازن الالتفاف من اليمين "والله ان الإسرائيليين لا يعطونني تصريحا". واجاب القطري "سنحصل لك على تصريح. رد ابو مازن بقوله ساتصل بعد نصف ساعة". مرت ساعة ونصف حتى عاد وبفيه تعلل ثالث. "اقسم لك انني لا استطيع المجئ. توجد علي ضغوط. اذا جئت فسأذبح من الوريد الى الوريد"، قال لمحدثه.

ادرك الشيخ ان نضاله خاسر. "قال لصديقه، ليكن النجاح حليفك بعون الله". كان واضحا لهما انه منذ اللحظة التي تخلى فيها الرئيس عن مكانه، تمهدت الطريق لدعوة ممثلي حماس وسائر الفصائل لانه يجب ان يتحدث شخص باسم الشعب الفلسطيني. وهكذا وجد أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة نفسه الى جانب رئيس سورية بشار الاسد، ورئيس إيران محمود احمدي نجاد ورئيس مكتب حماس في دمشق خالد مشعل. وهي جماعة سمت نفسها "معسكر الممانعة"، الذي هو التناسخ الحديث لتعبير "جبهة الرفض" او المقاومة بطرق دبلوماسية.

قاطعت تونس، والمغرب، والأردن، والسعودية، ومصر، واتحاد الامارات، الذي رفض الجلوس الى جانب جارته إيران، قاطعت القمة. ولم يعق ذلك قناة الجزيرة عن ان تعرض على عشرات الملايين من مشاهديها يوم بث خاص من قاعة المؤتمر. لم تعد القرارات المصيرية منذ زمن تتخذ في هذه المؤتمرات. دعا المشاركون في "قمة الممانعة" الدول العربية الى قطع العلاقات بإسرائيل. قررت قطر وموريتانيا عدم المبالغة، واكتفتا باعلان بلا مضمون بتجميد العلاقات. سمعوا في غزة وعلموا انه يحسن التعلق بالمبادرة المصرية، التي اوشكت أن تدخل حيز التنفيذ في غضون يوم.

في تلك الساعات التي تلوى فيها ابو مازن في الهاتف على مسمع وزير الخارجية القطري، عملوا في الكويت وفي مقر الجامعة العربية في القاهرة على قمة طارئة اخرى من اجل اولاد غزة، بوحي من السياسة المعتدلة. هنا لن يوجد دخول لضيوف غير مرغوب فيهم مثل احمدي نجاد وخالد مشعل. والموعد الذي حدد لها، وهو يوم الجمعة صباحا، نقل الى يوم الاثنين كي لا يصادم العرض في قطر. بدأوا في مكتب الرئيس المصري الاعداد لقمة ثالثة في شرم الشيخ استضافت رؤساء الدول الأوروبية بعد اعلان وقف اطلاق النار.

كأننا لم نتعلم

يستطيع المؤرخون الذين يريدون تحقيق نظام العلاقات المتوتر بين اللاعبين المختلفين في العالم العربي، الاكتفاء بتوثيق مؤتمرات القمة. كان القرار العملي بأكبر قدر الذي اتخذ في هذه القمم الثلاث تبرعا بمبلغ بليوني دولار جمعته الدول المنتجة للنفط من اجل اعادة اعمار غزة، وأعلنوه في قمة الكويت. يكفي لاتخاذ قرار كهذا جولة مكالمات هاتفية وابلاغ الصحف. لكن الزعماء الذين فعلوا القليل جدا من اجل غزة في الاسابيع الثلاثة لـ "الرصاص المصهور" ارادوا قمة مع كل ذلك، مع خطب وبث تلفزيوني وكلام. كلام كثير.

"من المؤسف ان نعلم انه يوجد من يعملون في تقسيم العرب الى دول معتدلة ودول ممانعة"، قال رئيس مصر حسني مبارك، "كأننا لم نتعلم دروس الماضي ودروس التاريخ، وكأننا موجودون ثلاثين سنة الى الوراء. في علاقات العرب بعضهم ببعض لا مكان اليوم للتردد والتسويف، ولا مكان لتوجيه تهم الخيانة او النفاق".

تهم الخيانة؟ لقد جرب مبارك ذلك على جلده. فمنذ اللحظة الاولى حتى اخر قذيفة اطلقت على غزة ووجهت مصر بمعركة اعلامية ودبلوماسية ترمي الى عرضها كمتعاونة مع اسرائيل. كان حسن نصر الله زعيم حزب الله اول المتهمين، رأى مصر شريكة في الجريمة لانها رفضت فتح معبر رفح ليهرب الغزيون. واسهمت قطر، بنصيبها بواسطة الجزيرة، التي منحت رؤوس حماس منبرا حرا للتعبير عن عدائهم لمصر. وعندما تبين لحماس ان مصير المعركة متعلق بالرغبة الاخيرة لحسني مبارك ورئيس الاستخبارات المصري عمر سليمان، بدأ يلوح هدوء في ميدان توجيه التهم. لكنهم في مصر تذكروا ذلك وانتظروا قطر وراء الزاوية.

في يوم الاثنين من هذا الاسبوع، بعد اقل من ثمان واربعين ساعة من الهدنة، كشفت صحيفة الاهرام لقرائها عن سر خفي لقطر. فالبلد الذي اصبح اليوم شديد الخوف على سلامة حماس كان هو الذي كشف لإسرائيل في كانون الثاني 2002 عن انطلاق السفينة "كارين اي" محملة بسلاح ايراني متجهة الى شواطئ غزة.

تزعم الاهرام ان التفضل الذي منحته الاستخبارات القطرية كان علامة شكر للموساد الإسرائيلي لانه حذر من محاولة اغتيال للأمير خططت منظمة فلسطينية لتنفيذها بعد ذلك بشهرين في قمة الجامعة العربية في بيروت.

في الوقت بين المؤتمر الطارئ في الدوحة في يوم الجمعة، وقمة الجامعة العربية الطارئة في الكويت، التي عقدت بعد ذلك بثلاثة ايام اتخذ في مصر وإسرائيل قرار الهدنة. سجلت مصر فوزا بالنقاط. حصدت القاهرة جميع الارباح من علاقاتها الجيدة بجميع اللاعبين في المنطقة، واثبتت انها وحدها قادرة على تحقيق انجاز من اجل الفلسطينيين، في حين ينظر الاخرون فقط الى ما يحدث وينتظرون دعوة من الجزيرة.

في قمة الكويت خطب مبارك خطبة من افضل خطبه. ولم يعقه ذلك على ان يسارع عائدا الى بيته مباشرة بعد انهائها، وان يدع أمير الكويت يجري خلفه في الدهليز ليقنعه بتقبيل رأسه بالبقاء للمباحثات المغلقة. ذكر الزعيم المصري، الذي سيتم الواحدة والثمانين الجميع مرة اخرى اية دولة اسهمت أكثر من الجميع للقضية الفلسطينية، وفي ضمن ذلك دماء ابنائها. "سنبذل كل جهد ممكن"، وعد "اذا نجحت المصالحة، فسيكون ذلك مكسبا للشعب الفلسطيني. واذا لم تستجب الفصائل لجهودنا فسنقول لها: الله يعين من يعينون انفسهم".

قبل لحظة من استقرار الرأي على التبرع الذي سيخصص لغزة، طلبت سورية وقطر الغاء مواد من اقتراح السلام العربي ودعوة الدول العربية الى قطع العلاقات بإسرائيل. ازيل اقتراحهما عن جدول العمل. وبدلا منه ارسل ملك السعودية الى إسرائيل التحذير المتعلق بالمبادرة السلمية. بعد ذلك اتجهوا لنقاش من يدير بالضبط جهاز تلقي الاموال في غزة. زعمت سورية ان من المفهوم ضمنا ان يكون العنوان هو صاحب السيادة الرسمي في غزة، حكومة حماس برئاسة اسماعيل هنية. عارضت الدول المانحة بطبيعة الامر لانها خافت من ان يصل جزء من الهبة الى الذراع العسكرية. فكروا وفكروا، وقرروا عدم القرار. لم يذكر في الاعلان الختامي كيف ولمن سيسلم التبرع. لا تقلقوا سيعقدون قمة اخرى من اجل ذلك.

التعليق