العلاق في " هكذا قلت للريح": موسقة الكلام العادي تشوبها خطابية

تم نشره في الجمعة 23 كانون الثاني / يناير 2009. 09:00 صباحاً

 

بيروت- الشاعر العراقي علي جعفر العلاق في مجموعته الأخيرة "هكذا قلت للريح"، يحمل كما الحال في شعره السابق عامة، كثيرا من الأحزان ويتميز بقدرة فائقة على "موسقة" الكلام في أنواعه المختلفة، وحتى في العادي منها وبقدرة بينة على التنسيق والتأليف الشعري بين "قوافل" كثيرة من الكلمات.

وهو في موسيقى شعره وتصويريته البارزتين، وفي غالب قصائده الحديثة يعكس من خلال تعدد الاوزان والقوافي وكثافة الصور وتتابعها احيانا خصائص كلاسيكية وغنائية جميلة ونبرة خطابية.

بعض قصائده وعددها الآن اقل مما كان عليه في مجموعته الاخيرة "سيد الوحشتين "مثلا يمكن اعادة ترتيب كلماتها لتطل علينا في شكل قصائد عمودية تقليدية. وليس هذا مأخذا على القصائد او على الشاعر فهو يضمن قصائده نبضا "حارا" أو أنه يجعل نبض بعض الهادئ أو "البارد" منها يبدو ذا حرارة.

وبالإضافة إلى تلك القدرة على صوغ الكلام صوغا شعريا يجعله سيالا، وكأنه لا يأتي نتيجة جهد فصور الشاعر في المجموعة يطل بعضها بملامح رمزية وبعض بملامح من عالم الواقع ولغته، بينما يطل علينا عدد منها بجو أقرب إلى السوريالي. إلا أن "قماشة" موضوعات شره الغالبة هي عالم الواقع وان ارتفع به.

جاءت مجموعة علي جعفر العلاق في 100 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

حمل غلاف الكتاب كلمات للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين تحدث فيها عن شعر علي جعفر العلاق مبيّنا بعض خصائصه بدقة وببلاغة.

قال شمس الدين إن الشاعر "يقود مركبته بيسر وفن ابداعي فالكلمات من شدة مراسه في الكتابة والصور تتالى بين يديه في القصيدة ولا تعانده...يتناول الماضي والأسطورة كأنهما اليوم والحدث الراهن كأنه يستعاد من ذاكرة تاريخية... لا ينقلها العلاق نقلا بل يكتبها وكأنه يولّدها بحرفة ايقاعية من خلال منظومة التفاعيل التي تشكل السرير الايقاعي لقصائده..، وهو بسبب غريزته اللغوية القوية قادر على ان يجمع في الجملة الواحدة او المقطع الواحد الطباق في المعنى مضافا اليه الجناس في اللفظ."

والواقع أن هذه القدرة اللغوية التي تحدث عنها شمس الدين والقدرة على تطويع "جيوش" الكلمات تتيح للشاعر الانتقال وبسهولة غالبا بين انماط تعبيرية شعرية، إذ يقفز بنا من أجواء تعدد الأوزان والقوافي، إلى قصيدة تبدو في بعض اقسامها لا كلها أقرب إلى قصيدة النثر، أو إلى قصيدة ذات أوزان دون قواف، ومن ثم إلى أجواء من القصيدة العمودية وإن ارتدت ثوب التعدد في الاوزان والقوافي، إنه يفعل ذلك بسهولة ويسر ويبقى حاملا قارئه الى اجواء شعرية لا يصيبها الركود.

قصيدته الأولى "عاشقة" ذات جو موح يحمل القارئ الى عالم من الدهشة والحلم. يقول "مرت امرأة (بجوار الهزيع الاخير من الليل..) ـ كيف اهتديت (الى مهبط النسر) ايتها العاشقة .."حدّقت في رماد يديها..شممت رماد جناحيه (حتى اذا مسّني السكر) وارتبكت شفتاي (دنا) فتدلى (فبعثرني) في مهب طفولته الدافقة."

في "عناقيد بابلية " خطابية ودويّ. يقول "ايقظي دفء (فوضاك وابتكري) لضحاياك (ما تيسر من اول الغيث..) تلك عناقيدك(البابلية مشبوبة) والنجوم حصى ينضج الآن مبتهلا ( في اعالي الشجر...) انت حلم يديّ اذاعربد البرد بينهما (انت حبري الذي )ايقظته خطاك (وما اقترحته على لغتي) كأسك البابلية..."

في قصيدة "لا غبار ولا امتعة" موسيقى دون قافية جلية واكتفاء بالجو الايقاعي. يقول "كان يأخذني اذ يغني الى آخر الحلم أحمله (حين أصغي) الى أول الحلم .. نمضي معا ( هادئين كما الكهف) هنا يندلع الرعد ..عاصفة تتكسر (ملء جوانحنا وحنين) ظننا نسيناه يتركنا ضائعين (كما الرمل.."

في قصيدة "كذئب لا ملاذ له" نمط مختلف قليلا يحتفظ بموسقة جلية ويجاور قصيدة النثر مجاورة وثيقة على رغم الموسقة الموحية بايقاع. يقول "ماذا ستكتب عنك الريح.. قال ..وهل لهذه الريح غير الرمل .. تكتبه حينا وتمحوه (حينا ...) عمياء (تأخذه على هواها) تشمّ الريح (لا امرأة) لا بئر (لا موقد يحنو عليه).

ويصبح هذا النمط اكثر جلاء في قصيدة "سنة جديدة" التي يقول فيها "أيامها ككلاب الصيد لاهثة تمر بي.. أي ايام ( وأي سنة ..) في أثرها ثملا أمضي (على كتفي عباءتي وخساراتي...".

وفي قصيدة "سؤال" يحول أسئلة فكرية تحفل بالحزن والتشاؤم إلى صور موحية على " تقريريتها"ومباشرتها فيقول "عاد الموتى إلى بيوتهم خائبين ( وعاد الحالمون الى وطنهم) فلم يجدوه.. وها هم الشعراء يعودون ثانية إلى منافيهم (بعد أن اطمأنوا بأن الغد) أضيق من خرم إبرة.. فلماذا لم تكن بين الموتى (ولماذا لم تكن بين) الأحياء.."

وتبرز تصويرية العلاق التي تتناول الحسي كما المعنوي وفي دمج للاثنين هو واحد من أجمل تجليات هذه التصويرية عنده في قصيدة "مئذنة" حيث يقول: (تتمايل) من نشوة هكذا اتخيلها.. ( حجر يتشرب) رائحة الفجر (او همهمات المصلين) تهمس والغيم يسند (قامتها) لم اعد قادرة شدّني (شدّني) للنهايات يا مطر الآخرة."

التعليق