"فنان وقضية" للتشكيلي مسلّم: مشهد بانورامي للجرح الفلسطيني

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • "فنان وقضية" للتشكيلي مسلّم: مشهد بانورامي للجرح الفلسطيني

 

غسان مفاضلة

عمان- يواصل سادن الذاكرة الفلسطينية التشكيلي عبد الحي مسلّم في معرضه السادس والعشرين "فنان وقضية"، الذي افتتح مساء أول من أمس في صالة توفيق السيد برابطة التشكيليين، استحضار العديد من القضايا والأحداث التي عصفت بالشعب الفلسطيني جراء الاحتلال الإسرائيلي لأرضه.

وبفطرية حميمية التوجه والتعبير، راح الفنان، الذي أبصر النور في قرية الدوايمة بمحافظة الخليل العام (1933)، يعيد إنتاج ما خبره وترسب في ذاكرته من أحداث وويلات، بدءاً من مجزرة مسجد الدوايمة قبل 60 عاماً، مروراً بالانتفاضات الفسطينية، وجدار الفصل العنصري، وليس انتهاءً بمجزرة غزة، التي ما يزال يخيّم الحصار الدّولي عليها حتى الآن.

كما يستحضر في معرضه، الذي اشتمل على نحو 30 عملاً فنياً منفذة بطريقة النحت البارز "الريليف" Relief، دور المرأة الفلسطينية في تجسيد معاني النضال ومقاومة المحتل بكل ضراوة واقتدار.

وعبر تنوع موضوعاته، التي عرّج فيها على الأثر الإبداعي والوطني لأصدقائه الراحلين، ناجي العلي ومصطفى الحلاج ومحمود درويش، يعرض الفنان مشهداً بانورامياً لوطن لم يفلح الاحتلال الإسرائيلي في مَحْوه من الذاكرة، أو نفيه من الوجدان.

ومن خلال أسلوبه الذي اشتقه لنفسه حين كان على مشارف الأربعين من عمره، جعل مسلّم، الذي توزعت حياته بعد النكبة بين فلسطين والأردن وليبيا وسورية، من موضوعه اللصيق بالموروث البصري للشعب الفلسطيني، ومن مكوناته الاجتماعية والثقافية، علامةً راسخةً، وشاهداً حياً ما يزال يستقي روافده من نبض الحكاية وهي تغالب بالذاكرة والحزن.. تاريخ النسيان.

لم يتلقّ عبد الحي مسلّم، الذي أقام منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي نحو 26 معرضاً فردياً، وشارك في أكثر من 35 معرضاً جماعياً في غير مكان من العالم، تعليمه الفني في أي من أكاديميات الفنون الجميلة.

كانت الحياة الزاخرة بتفاصيل الحرمان والشتات.. والمسكونة دوماً بحلم العودة، هي مدرسته الأولى التي منحته، منذ اكتشافه الملامح الأولى لموهبته الفطرية، عيناً مفتوحةً على المشهد كله، وذاكرةً مشدودةً كوتر بين ضراوة الواقع.. وتداعيات الحلم والخيال.

وبصبر وأناة، أخذ الفنان، الذي شق طريقه في الفن التشكيلي العربي المعاصر عبر مسيرة شاقة وطويلة، ينفذ أعماله بأسلوب اختزالي مبسّط بعيداً عن الترسيمات الأكاديمية وتعليماتها الصارمة.

أعمال مسلّم، وإن صنفها البعض ضمن خانة الفن الفطري، إلا أنها تؤسس لنفسها مساراً تعبيرياً خاصاً في التقنية والتشكيل.

يبني مسلّم، من خلال ابتكاره وتطويعه لعجينة نشارة الخشب مع الغراء، وعبر استخدامه للألوان الصريحة بتدرجاتها وتمازجاتها اللونية، عالماً تعبيرياً نقياً من شوائب التقليد أو الافتعال.

وهو في أعماله المنفذة بطريقة الريليف (Relief) المتمثلة ببروز الأشكال والتكوينات التي يبنيها من عجينته المخمرة على سطوح أعماله، لا يتوقف عند حدود التوثيق أو التأريخ للذاكرة الفلسطينية، بل يعمل على إعادة إنتاجها بتوافق خلاّق بين حسيّة المادة وشساعة الفكرة.

وحين أجهض فن مراوغة الحقائق والالتفاف عليها، حلمه بثورة حتى التحرير. وحين أراد تجاوز حالة النكوص ومعالجة اختلال التوازن بين ضراوة الواقع ورحابة الحلم، أسعفته ذاكرته بمخبوءات مخزونه البصري منذ عهد الطفولة بعجينة نشارة الخشب مع الغراء التي تخمّرت في وعيه بعد أربعين عاما من طفولته، لتصبح فنه الجديد ومادته الطبيعية في الشكيل والتعبير.

وحول اكتشافه لتقنية عجينة الخشب، يقول مسلّم لـ"الغد"، "اكتشفت هذه التقنية عندما كنت طفلاً في قرية الدوايمة قبل العام 1948، إذ كنت أراقب نجاراً بجوار بيتنا وهو يعجن نشارة الخشب بمادة الغراء كي يسد بها الثقوب الخشبية".

ويشير إلى أنه بدأ يستخدم هذه المادة في تشكيل أعماله منذ بداية سبعينيات القرن الماضي حين اكتشف ميوله الفنية وهو في الأربعين من عمره، لافتا إلى المرونة والطواعية التي تمتاز بها عن غيرها من المواد.

وجعلته طريقة "الريليف" التي ينفذ بها أعماله، المتمثلة ببروز الأشكال والتكوينات على سطح عمله الفني، يتحرك بعكس ما هو عليه النحات التقليدي، الذي يستخدم الأزاميل في تكوين أعماله عبر الحذف من مادة الحجر أو الخشب، فيما يقوم هو بواسطة هذه المادة بعملية البناء والإنشاء.

وفي سياق موضوعة معرضه "فنان وقضية"، يستذكر الفنان العديد من الأغاني والأهازيج التي كان الناس يستحضرونها أثناء تطويق الإنجليز المتكرر لقريته في العام 1939 وهم يطاردون الثوار من بيت إلى آخر، مخلفين وراءهم الخراب والدمار الذي يحيق بكل شيء.

وبالعين ذاتها، يسترجع الفنان عبدالحي مسلّم، الذي "أعطاه العالم كيساً من الطحين، وبحراً من الحزن.. وتذكرةً صالحة لسفرة واحدة فقط"، تفاصيل يوم الجمعة (28/10/1948)، الذي احتلت فيه قرية الدوايمة أثناء صلاة الجمعة، حين توجه جنود الاحتلال الإسرائيلي إلى مسجد القرية وقتلوا ما يقارب 250 من أهالي القرية، وعدد مماثل من الأطفال والنساء كانوا مختبئين في مغارة لم ينجُ منهم سوى ثلاثة أفراد.

تشكّل أعمال الفنان بعامة، والتي باتت معروفة في العديد من دول العالم ومقتناة فيها من مثل اليابان والنرويج وفنلندا والدنمارك وسويسرا، فضلاً عن لبنان وسورية والأردن وليبيا، فرصةً للتأمل في عالم "الذاكرة الفلسطينية" عبر استحضار طقوس الحياة الاجتماعية والتفاصيل اليومية للقرية الفلسطينية وتثبيتها في أعمال فنية طازجة في نبضها، فريدة الملمح وغنية التعبير.

التعليق