"ملح هذا البحر" يطوي شراع أسبوع الفيلم الفلسطيني

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • "ملح هذا البحر" يطوي شراع أسبوع الفيلم الفلسطيني

 

رشا عبدالله سلامة

عمّان- اختتم أسبوع الفيلم الفلسطيني فعالياته مساء أول من أمس بعرض الفيلم الروائي "ملح هذا البحر"، بحضور سمو الأميرة ريم علي ومئات الجماهير التي احتشدت في مركز الحسين الثقافي لمتابعة العرض.

تماما كما كان بدء التاريخ مع زرقة وهدير أمواج يافا المتداخل وأهزوجة البحارين الفلسطينيين "يا بحرية هيلا هيلا"، كان بدء "ملح هذا البحر" لمخرجته آنماري جاسر، من خلال استحضار الشاطئ اليافاوي القديم، مرورا بمشاهد النكبة ووصولا للحاضر الذي يقسم شطر فلسطين لـ"كانتونات" عسكرية يتفنن الاحتلال في صياغتها وتوزيعها.

 الإذلال والإمعان في انتهاك حقوق الإنسان يتجلى بداية في إجراءات التفتيش القاسية التي توضع تحتها الفلسطينية- الأميركية ثريا تهاني القادمة من بروكلين، فقط لملامحها وأصولها العربية، ولأنها تريد التوجه نحو رام الله من المطار الذي حطت فيه طائرتها.

الأشياك المعدنية المنثورة في كل مكان، والمحاسيم المقحمة إقحاما في تفاصيل الحياة الفلسطينية، والآلات العسكرية الموزّعة عشوائيا على الأرض، كلها لم تمنع ثريا من التحليق بسعادة غامرة لتحقق حلم العودة بعدما هُجّر أهلها من يافا العام 1948 نحو لبنان، ليقيموا في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين ومن ثم في أميركا حيث ولدت هناك.

وإلى جانب البؤس والشحوب الذي تجلّى في رام الله كما مناطق الضفة الغربية جميعها، استطاعت المخرجة بإبداع وقدرات مشهود لها استحضار النفسية الفلسطينية وملامحها الشكلية وحتى مصطلحاتها وألفاظها وإن كانت فجة، من خلال حوارات الوطن والمنفى وحق العودة التي تصل طريقا مسدودا في نقاشات الفلسطينيين كما على أرض الواقع.

 "غريب أنكِ عدتِ من أميركا لاسترداد بضعة جنيهات فلسطينية لم تعد حتى مستعملة".. عبارة ترددت على مسامع ثريا كثيرا، بعد أن عادت من أميركا لاسترداد نقود جدها التي جُمدت في أحد مصارف يافا عند حدوث النكبة.

هذه العبارة الرمزية، وما كان يرتسم على وجه ثريا من حزن وأمل حائر عند سماعها، يبوح بمدى تعقيد مفهوم الوطن في نفس كل فلسطيني، إذ إن القيمة المعنوية والإنسانية له تتعدى ما قد تمليه أية معادلة منطقية يفلسفها العالم للفلسطينيين كمحاولة للتعويض عن حقهم المسلوب.

وتماما كما المفاوضات التي يصطدم فيها الحق الفلسطيني بعتبة التعنت الإسرائيلي، تصطدم محاولات ثريا لاسترداد نقود جدها عندما يعيد عليها صاحب المصرف الفلسطيني- البريطاني عبارة "المصاري راحت والبلاد راحت... كل إشي راح"، في إشارة أيضا لنفض بريطانيا يدها من جرمها الذي سهّلت فيه اغتصاب حق الفلسطينيين إبان العام 1948.

 تتوغل الحسرة في قلب ثريا عندما تستميت في شرح حقها في وطنها ونقود جدها، ليكون الرد من قِبل صاحب المصرف "دعك من الخزعبلات وقصص الدراما"، كرمز لتنميط العالم للحسرة الفلسطينية على ضياغ الأرض والحق بالدراما والمطالبات غير المنطقية.

الحب يولد من رحم الحرب والمأساة، هكذا تجلى الرمز في قصة الحب التي تجمع ثريا بعماد الذي يقطن رام الله والذي تعود أصوله لقرية الدوايمة التي نُسِفت وهُجّر أهلها العام 1948، ليعيش لاجئا على أرضه، بينما تتخطفه البطالة والبؤس والمحتلون ينعمون بخيرات وطنه.

وفي توغل عميق في النفسية والحياة الفلسطينية، تدور كاميرا المخرجة لتلتقط مشاهد رام الله وقاطنيها، ومنزل عماد وملامح أفراد عائلته وأحاديثهم وخصوصا حلمه هو بالهجرة إلى كندا، وتبريره لذلك قائلا "وقتها ما بشوف ولا جندي واحد".

 الطبيعة الفلسطينية الفاتنة هيمنت على المشهد في "ملح هذا البحر"، لتتداخل معها صور الجرافات بينما هي تنشب مخالبها في عمق الأرض، مع المجنزرات التي تسحق معها الذكريات وآمال المستقبل، لتشييد المستوطنة تلو الأخرى على أطلال منازل الفلسطينيين، وهو ما تجلى أكثر من مرة في عباراتهم "شو بإيدنا نعمل...ما عنا سلاح طول عمره ممنوع عنا السلاح".

 بيد أن المخرجة لم تترك جانبا فلسطينيا راهنا إلا وتطرقت له، كان ذلك عندما ورد على لسان أحد ممثلي العمل في استكمال لعبارة السلاح الآنفة قوله "بس هسة عشان بنطخ على بعض بنكبّ السلاح علينا كبب بختم أميركي وإسرائيلي".

وعلى وقع نشرات الأخبار والتصريحات الرسمية التي تنظّر وتحلل في خلفية مشاهد الفيلم، بمنأى عن الواقع الفلسطيني المظلم، تسرد ثريا ذكريات جدها عن يافا، وكيف كان يسبح في بحرها كل يوم، وعن لحظاته هناك عند زيارة أم كلثوم وفريد الأطرش، وكذلك عن ارتياده وجدتها السينما، ليرد عليها عماد "صارلي 17 سنة ما رحت البحر"، في ترميز لمنع الاحتلال للفلسطينيين من الاستمتاع بأرضهم وطبيعتها.

كذلك الحال في المشهد الذي كان فيه عماد يشير إلى البحر البعيد وغير الظاهر فعليا، قائلا كلما سألته ثريا عن مكانه "هياته هناك... خلف المستوطنات"، في إشارة للأرض التي تعيش في قلوب الفلسطينيين وخيالاتهم بينما هم محرومون منها في الواقع.

مشهد الدورية التي أوقفت عماد وأجبرته على خلع ملابسه كافة، تشابه مع مشهد ثريا التي أجبرها أمن المطار على خلع ملابسها هي الأخرى، في تصريح واضح من المخرجة لوأد الإسرائيليين كل مواثيق وقوانين حقوق الإنسان.

 "هم قرروا (السلطة وإسرائيل) إذا أنا فلسطينية أو لأ؟"، "كان عنا حياة بس سرقونا... شو قادرين نعمل؟"، "ما معنا إلا الحقيقة ومش رايحين نتنازل عنها"، "الصراصير موجودة من العصر الجليدي وبرغم الزلازل وكل اللي صار ما انتهت مهما حاول الإنسان يقضي عليها"... كلها كانت عبارات تفوق بلاغة المشهد، عبارات تزينت باللهجة والملامح الفلسطينية والانفعالات غير المصطنعة، وبرموز الحياة الفلسطينية الدارجة بدءا من صورة جيفارا وياسر عرفات ومرورا بالمفاتيح والأبواب والمزروعات وخصوصا الصبر، وليس انتهاء بطبخة المقلوبة وبالطريقة الفلسطينية الدارجة لغطاء الرأس.

 قمة الدراما كانت عندما قررت ثريا استرداد حقها بالقوة من خلال سطوها على المصرف الذي رفض إعادة حقها لها، ما قد يرمز للحل المسلح واستخدام القوة التي يتبناها كثير من الفلسطينيين لإيمانهم بأن العدو لا يفهم غير هذه اللغة، فيما مشاهد أخرى عرضت رمزيا كيف بالإمكان التسلل للحياة الإسرائيلية ورؤية إرث الأجداد إذا ما تم الانصياع ولو ظاهريا لشروط العدو.

 كان ذلك عندما اعتمر البطل القبعة الإسرائيلية وعلّق هو والبطلة نجمة داوود على مرآة السيارة، فدخلا بذلك للمناطق المحتلة العام 1948. حصار غزة، تحايل الفلسطينيين على الأسوار الشائكة للتسلل للقدس، الجدار العنصري، المستوطنات، الموقوفين على المحاسيم الإسرائيلية.. كلها كانت رموزا حشدتها المخرجة وكثفتها لتنطق بما لم يتسع وقت الفيلم للنطق به، بيد أن الرمز الأقوى كان عندما لف البطل والبطلة الرشاش الذي هددا به أصحاب المصرف بكوفية فلسطينية ودفناه في الرمال، في إشارة لتخدير الفلسطينيين وتعليقهم مجبورين للحل المسلح لأجلٍ قد يطول أو يكون قريبا.

صرخات فرح ودموع امتزجت بين البطل والبطلة عندما تمكنا من الدخول لأراضي الـ 48، هي إلى يافا حيث بيت جدها الذي يطل على الشاطئ والذي تسكنه إسرائيلية، وهو إلى قرية الدوايمة التي حدثت بها المجزرة في العام 1948.

في القسم الذي عاد فيه البطلان كلٌ إلى أصوله، تكثفت الرموز والإشارات أكثر فأكثر، فكان صوت الفلسطيني هو الوحيد المجلجل على الشاطئ في إشارة لقوة حقه بالمكان التي يشعر بها وتغمره بعكس المتواجدين بصمت ووجل، كذلك تعليق الإسرائيليين علمهم على البيوت القديمة كرمز لقلقهم من هذا الحق القديم والمتأصل تاريخيا.

 أيضا عبارة البطلة حينما قالت "البحر من أمامكم والعدو من ورائكم"، المسجد المهدّم في الدوايمة، الأثاث القديم للفلسطينيين والقطع القيمة التي يبيعها العدو كـ "أنتيك" في المحال التجارية الاسرائيلية، عبارة السيدة الاسرائيلية التي أدخلت البطلة لمنزل جدها لرؤيته حين قالت "الكل يريد السلام إلا الزعماء. ويا ليت الفلسطينيين لم يغادروا، إنهم يواجهون سوء المعاملة أينما حلّوا".

غير أن الرمز الأقوى تمثل في عزم البطل والبطلة على الإقامة في أحد بيوت قرية الدوايمة المتبقي شيء من أطلالها، وافتراشهما الأرض مع تعليق عبارة "سويت هوم"، وقول البطلة: "رح أجيب بنت هون عشان تكون أول طفلة بتنولد بالدوايمة منذ العام 1948، ونربيها بكرامة وكل هالوسع بكون إلها تلعب فيه".

عبارات البطل التي خاطب فيها البطلة ظلت عابقة بأجواء الفيلم وانطباعات المشاهدين، كقوله لها "خلي راسك مرفوع دايما"، "ليش تخليهم يأثروا عليكي ويخلّوكي مجنونة هيك بصير احتلال من جوّا"، "شو أحسن من ولد ينولد باسم الواحد ودمه ويعمل شغلات هو ما قدرش يعملها؟"، لترد هي بعبارات أقوى، كقولها للشرطي الإسرائيلي "أنا من فلسطين، من يافا من شارع النزهة وجوازي فلسطيني" رغم أنها تحمل الجواز الأميركي، وسؤالها هي للجنود الإسرائيليين "من وين إنتو؟ من وين إجيتوا أصلا؟" في قلب للسؤال الذي يسألونه هم لأصحاب الأرض الأصلاء.

 وقولها لمن يتهمونها بالعيش أسيرة للماضي "الماضي هو شغلي الشاغل وهو حاضري". يستحق "ملح هذا البحر" أن يرفع له العالم قبعة الاحترام، لكونه يعيد الاعتبار لقيمة السينما الجادة والوطنية، والتي من شأنها الذود عن الحق الفلسطيني وتخليده ببراعة واقتدار بالغين.

 أفلام كـ "ملح هذا البحر" تملك القدرة على حشد أكبر قدر من الجماهير، وحصد أكبر الإيرادات لو تم عرضها في دور السينما، على عكس ما يتذرع به أرباب الأفلام الهابطة والوطنية السطحية من أن هذا ما يريده الجمهور.

التعليق