"خمسة أطياف": معرض جماعي يستقرئ ملامح الرؤية والبيئة في "الأندى"

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 09:00 صباحاً
  • "خمسة أطياف": معرض جماعي يستقرئ ملامح الرؤية والبيئة في "الأندى"

 

غسان مفاضلة

عمان- التقت خمس تجارب تشكيلية في إطار خصوصية استقراء كل منها لملامح الرؤية الفنية، وتأثيرات البيئة التي تنسرب على سطح اللوحة في معرض "خمسة أطياف"، الذي افتتح مساء أول من أمس في غاليري دار الأندى بجبل اللويبدة.

ورغم تنوع التقنيات والمعالجات، واختلاف الرؤى التعبيرية في التجارب الخمس التي شارك فيها الفنانون (محمد نصرالله من الأردن، وعبد القادر البخيت من السودان، وعماد الظاهر، وفلاح السعيدي، ونجلا الرميحي من العراق)، إلا أنها تؤكد في مناخها العام الشخصية الفنيّة التي تتفرد بها كل تجربة على حدة، وهذا ما يؤكده عنوان المعرض الذي جمع تلك التجارب تحت مظلته.

وحين نتحدث عن الشخصية الفنية لأية تجربة تشكيلية، فإننا لا نقصد الاسلوب الذي يميّزها أو الرؤية التي تنطوي عليها، ولا نعني التقنية أو المعالجة التي تخصها فقط، بل كل ذلك، مضافاً إليه الروحية البيئية التي ينمو فيها العمل الفني ويتشكّل بفعل الروابط الاجتماعية والنفسية والثقافية، التي تكسبه هويةً تعبيرية تشير إلى شخصيته وتعرّف بها على نحو أو آخر.

فمع أعمال الفنان محمد نصرالله (1963- عمّان)، لا نتوقف عند تقنيته التي تفرّد بها طوال ما يقارب العشرين عاما، ولا نكتفِ بالوقوف عند حدود موضوعاته الأثيرة بمقارباتها الشاعرية (نشيد التراب، طيور وفزّاعات، فضاء آخر، عودة الروح،...)، بل نتجاوزهما باتجاه حساسية لوحته، التي تشكّلت بفعل تراكم خبرته الحياتية وتجربته مع ظروفه المحيطة، ومن ثم وعيه بضرورة التعبير وخصوصيته وفق مقتضيات حسّه الداخلي.

من هنا، نستطيع أن نشير إلى تفرّد شخصيّة لوحته، وإلى إمكانات التجاوز المتئد التي تتوفر عليها بفعل تساوق تقنيته الرفيعة مع وضوح رؤيته الفنية. فلوحته ظلت وفية لمنطلقاتها الجمالية وروحيتها التعبيرية، بدءاً من "أناشيد التراب" في العام 1989.. وانتهاءً بـ"الآفاق الزرقاء" العام 2007، من دون اجترار أو تنميط.

فيما تضعنا محاولات النحات العراقي عماد الظاهر (1964- بغداد) للإمساك بما يهرب باستمرار، وأحياناً محاصرته واستنطاقه بذاكرة حلميّة آيلة للنسيان، أمام إمكانيات إعادة "فلترة" الماضي وتصفيته من الترسبات التي تشكّل خميرة الراهن وعجينته.

فعبر موضوعه الأثير، الذي يعاين من خلاله اغتراب الإنسان ومعاناته، تتماهى حسيّة المادة النحتية لديه مع سياقها التعبيري على نحو لصيق بوشائج التراث النحتي لبلاد ما بين النهرين، الذي تميّز بدلالاته التعبيرية وحيويته التشكيلية عن غيره من فنون العالم القديم.

ففي اللحظة التي تقترب بها أعمال الفنان التراث النحتي بإيقاعه الأسطوري، تقترب من واقعية الراهن بمحمولاته الرمزية والجمالية، لتؤكد ما تبقى فيه من أفكار وصور هي خلاصة تصفية الماضي من شوائبه وترسباته.

ويمثل الجسد الإنساني في أعمال الفنان مساحة مفتوحة على الحوار التراجيدي، الذي تنهال منه وتتدفق أسئلة البحث عن شرط الإنسان في الحياة، وعن معنى الحرية والاغتراب.

ولا يمثل الجسد في أعماله مكانا للمعاينة البصرية فقط، بل يتجاوزها ليصبح مكانا خاضعا للمسح والمراقبة والتمشيط كأي مساحة أخرى، فالخروقات والتآكلات والتغضنات التي تملأ سطح الجسد، تجعل منه الواقع الوحيد الذي تنتظم فيه المقاومة لتحرير الرغبة من قيودها الآسرة.

تتحول أعمال الفنان السوداني عبد القادر البخيت (1966)، بطقوسها ومحمولاتها التراثية والبيئية، إلى ترنيمة لونية تتعاشق مع جسد الحياة ونبضها.

فمن مناخه البيئي، وتفاصيل ذاكرته التي استدرجت مدركاته البصرية إلى سطح اللوحة، استطاع البخيت بروحية الفنان المستكشف، اختزال الحالة الإنسانية، وصهرها بإيماءات تعبيرية مكنته من إعادة استنطاق مخزونه البيئي وإنتاجه وفق رؤية منفتحة على الاستكشاف والتجديد.

التعليق