بشارة يوقع كتابه "نشيد الإنشاد الذي لنا" ويقدم صيغة أدبية لمعارضة "العبرانيين"

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 10:00 صباحاً
  • بشارة يوقع كتابه "نشيد الإنشاد الذي لنا" ويقدم صيغة أدبية لمعارضة "العبرانيين"

 

محمد جميل خضر

عمان- "الكتابة الأدبية الإبداعية كانت وسيلتي للحفاظ على توازني النفسي ولكي لا أصاب بالجنون"، هكذا رافع الكاتب والمفكر والسياسي الفلسطيني د. عزمي بشارة بخصوص جنوحه عبر تجارب ثلاث نحو الكتابة الأدبية، روايات ونصوصاً وبما يقترب من بوح الذاكرة ومعاينة محيطه المعاش.

ورأى بشارة خلال حفل توقيعه مساء أول من أمس في الجمعية الأرثوذكسية بتنسيق مع مكتبة البستان على إصداره الأخير "نشيد الإنشاد الذي لنا" الصادر عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، أن الكتابة الفكرية السياسية التكتيكية تخضع لحسابات النتائج، وهو ما تتحرر منه الكتابة الأدبية.

وقال في الحفل، الذي قدم فيه الباحث الزميل نواف الزرو والناقد الفلسطيني أنطون شلحت مداخلات تحليلية ونقدية وقراءات لمعطيات الصراع العربي الإسرائيلي "الإبداع الأدبي متنفس شرط توفر الموهبة".

وعبّر بشارة، الذي حظي حفل توقيعه بإقبال لافت من متابعيه ومريديه والمهتمين بالشأن الفلسطيني والقومي على السواء، عن مخاوفه من تحويل ما جرى في عكا قبل أيام من تديين للخطاب العلماني الإسرائيلي وسفور فاضح للعنصرية اليهودية إلى أنموذج قد تعمل الحكومة الإسرائيلية وأصحاب القرار هناك على تعميمه على المدن الفلسطينية الأخرى المحتلة في العام 1948.

واشترط بشارة، صاحب المسيرة النضالية الطويلة في ساحة (الداخل الفلسطيني)، توفر "الخصوصية الجمالية" كمسوّغ للمشتغل بالهم العام والسياسة والمتخصص بالكتابات التنظيرية والفلسفية والفكرية، لتجريبه في الكتابة الإبداعية الأدبية.

وتركَ قرار الحكم على مؤلفاته "الحاجز" و"حب في منطقة الظل"، وأخيراً "نشيد الإنشاد الذي لنا"، للأجيال المقبلة.

وتَفَهّمَ في سياق متواصل عدم تقبل بعض الناس والمعنيين الجانب الإبداعي في شخصيته، وافتراضهم أن التحول من هذا القبيل قد يغيّر الصورة المرسومة له والقارّة في وجدانهم حوله.

وحول موضوع اضطراره الإقامة خارج فلسطين منذ سنة وسبعة أشهر بسبب الملاحقات القضائية والأمنية الإسرائيلية التي تنتظره في حال عودته وكذلك التهديدات بالقتل، وتوقعه بحكم خبرته في الشأن الإسرائيلي، أن ينال حكماً قد يصل إلى المؤبد، قال بشارة بشيء من الأسى والحنين "لو كان الخيار بين البقاء في الداخل والنضال من هناك والإقامة في الخارج لاخترت الداخل".

وفي سياق إجابته عن سؤال رئيس التحرير في قناة الجزيرة الفضائية أحمد الشيخ، إن كان سيكتب المضمون نفسه ويعيد الأجواء نفسها المبثوثة في كتبه الإبداعية الثلاث لو أعاد كتابتهما من خارج فلسطين، أوضح بشارة أن ما أُنجز أنجز و"راحت عليه"، وبيّن أن مساعي التطوير والتجديد ملازمة للأعمال الأدبية، وتشكل هاجسا يؤرق المبدعين والمشتغلين في الأدب، وهو ما يجعلهم يكتبون من جديد دون أن يعودوا لما كتبوه سابقاً.

ووصف الإبداع والمنجز الإنساني المتعلق به بالصيرورة المتصاعدة والمتطورة باضطراد، عبر مسارات جدلية تخلق تناقضاتها من داخلها.

ورأى الناقد أنطون شلحت، القادم من عكا للمشاركة بحفل التوقيع رغم إصابته بعارض صحي (الإنفلونزا)، أن كتاب عزمي بشارة الجديد "نشيد الإنشاد الذي لنا"، مختلف نسبيا عن كتابيه الأدبيين السابقين "الحاجز" و"حب في منطقة الظل"، مؤكدا أنه اختار في "نشيد الإنشاد الذي لنا" صيغة المعارضة الأدبية لسفر من التوراة "نشيد الإنشاد الذي لسليمان".

وبين شلحت "أن كتابه هو أفضل أداة للتعبير عن مسألة اختلاط العلاقة بالمكان، رائياً فيه لغة فلسطينية عربية معاصرة تقابل العبرانية القديمة".

وذهب شلحت إلى أن "نشيد الإنشاد الذي لنا" يتجاوز التقسيمات الأدبية من شعر ونثر، فهو نص أدبي قائم بذاته، مؤملاً أن يتعامل معه القراء على هذا النحو، لأن الكتاب بحسب تعبيره، يتجاوز الحدود الأدبية المعروفة.

ووصف شلحت كتاب "نشيد الإنشاد الذي لنا" بالنص الأدبي، الذي نسج بخصوبة التعبير الجمالي الحسي الراقي لغة وصورة، وأضاف: أنه إيقاع يصور ويعبر عن مشاعر وهواجس إنسان على لسان عاشقة في علاقتها مع محيطها الإنساني والطبيعي، بما فيه من مشروع شخصي وعام وفجيعة شخصية وعامة، وبما فيه من تفاصيل الحياة، إذ يرتبط المؤلف بها متأثراً ومتابعاً للتفاصيل عارفاً بمختلف ما تحمله، وهذا ما فعله بشارة أيضا في عمليه الأدبيين السابقين.

وأكد شلحت "أن النص التاريخي يشكل علاقة عشق مع البلد ومعالمه وأسماء أماكنه عبر علاقة عشق أو أغنية أعراس أو نص ديني أو غيره، ومن هنا، تنبع رومانسية النص المعارض وأدواته التي قد يحسبها البعض فلكلوراً ورومانسية إذا لم يقرأ نشيد الإنشاد".

بدوره قدم الزميل الزرو نظرة على آخر تطورات المشهد في فلسطين حالياً، وفي عكا على وجه الخصوص، مؤكداً ان ما جرى وما يجري منذ ستين عاما ما هو إلا "سطو مسلح على الوطن الفلسطيني من بحره الى نهره"، قبل أن يعرج إلى الإشارة إلى كتاب بشارة الجديد، الذي وصفه أنه يظهر مخالفاً لصورته كباحث صارم ليبدو أديباً "رشيق العبارة ينثر هواجسه مثلما ينثر أوراق الأقحوان"، ويميط اللثام عن الزوايا الظليلة التي له "بضعفه وقوته، بعواطفه الجامحة والرقيقة معا، بأحلامه وواقعيته، بخيباته وفواجعه".

وأضاف الزرو: "نشيد الإنشاد الذي لنا، فيه جزء من سرد شاعري على لسان الحبيبة هي: عناة الكنعانية، أم فاطمة، أم مريم، التي أصبحت فلسطينية منذ أن دخلت النكبة من الخارج لكسر الإيقاع، ومنذ أن خرجت من الداخل لتعرف أنها مهزومة ومكلومة، وتنجز معجزتها خارج إيقاع المقرر الاستعماري، الذي لا يعرف تهديداً لروايته أكثر من ذاكرة الأرض، حيث يتجاور في هذا النشيد التراب والشــجر، المرأة والأماكن، العواطف الجامحة والمشاعر الحانية، المنفى والتوق الى العـودة، الخيبة والرجاء، الحنين إلى البدايات والتطلع والأمل معا.

إنها رحلة في التاريخ والحاضر، قبل النكبة الفلسطينية وما بعدها، التشبث بالموطن واللجوء الموجع الى ديار العرب".

يُذكر أن الدكتور عزمي بشارة، مفكر ومناضل وكاتب سياسي فلسطيني، وهو نائب سابق في البرلمان الإسرائيلي واتهم بدعم المقاومة اللبنانية خلال الحرب الأخيرة على لبنان 2006، كان شيوعيا ثم تحول إلى قومي عربي وكان الأبرز بين الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي، ويعد شخصية سياسية ثقافية وفكرية مثيرة للجدل.

بدأ حياته السياسية والنضالية طالباً ثانوياً في الناصرة من خلال تأسيس اتحاد الطلاب الثانويين العرب، وبعد التحاقه في الجامعة قاد الحركة الطلابية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية لسنوات عدة حتى مغادرته إلى ألمانيا لدراسة الفلسفة.

ترشح لمنصب رئاسة الوزراء كتحد للديمقراطية الإسرائيلية، وهو من أبرز المنتقدين لسياسة إسرائيل التي يصفها بـ "العنصرية"، ويدعو بأن تكون إسرائيل "دولة لجميع مواطنيها" في إشارة إلى وصف إسرائيل بـ "الدولة اليهودية"، كما ينتقد الفكر الصهيوني المسيطر في الدولة مشيراً إلى أن ذلك تمييز ضد الفلسطينيين، وأن تعامل الدولة الإسرائيلية مع السكان العرب الفلسطينيين الأصليين يتعارض مع ادعاءات إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية.

التعليق