البخيت: قامة معرفية أسست اتجاها خاصا في التأريخ

تم نشره في الأحد 19 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 09:00 صباحاً
  • البخيت: قامة معرفية أسست اتجاها خاصا في التأريخ

 

د. مهند مبيضين

يثير تكريم البخيت من قبل مؤسسة عبدالحميد شومان كضيف عام، الحديث عنه، لاسباب: منها غياب محور مهم خاص بالفكرة التاريخية والمعرفة والنقد واللغة والتأويل الذي هو لبّ عمل المؤرخ، وهذا الغياب سببه التخطيط العلمي للتكريم الذي ربما لا يحب مثل ذلك النوع من الحفر المعرفي او يضيق به، ومن اسباب الكتابة عنه ذاك الحضور الذي كرم البخيت وذاك الجهد الذي قدمته مؤسسة شومان مشكورة، وسبب ثالث للحديث هو قامة الرجل العلمية وسجله النظيف.

ربما كان محمد عدنان البخيت - المؤرخ الملتزم- يراوح تخوم سنته الخامسة العشرين وهو يضطلع بتجربة إصدار مجلة البتراء التي اصدرها في بيروت عن رابطة الطلبة الأردنيين منتصف الستينيات، وكان شعار المجلة "خلق – معرفة – جرأة". آنذاك كانت بيروت تعج بأفكار زين نور الدين زين وقسطنطين زريق القومية، هو زمان فريد بلا شك ذاك الذي كان وما يزال البخيت مؤمنا فيه بأن أجود الأشياء تكمن في خلاصتها الجميلة نحو المعرفة ومعركة الوعي.

ليعود بعد ذلك مسلحا بالمنهج العلمي الذي تلقاه على يد سوركين وزريق ونقولا زيادة وغيرهم، حيث درس تاريخ الكرك ثم في تجربته الثرية مع تاريخ دمشق، ومن بعد دراسته ونشاطه الكبير في معركة السجل العثماني سواء كان الطابو أو السالنامات أو وثائق المحاكم الشرعية ومن ثم جمع المخطوطات ووثائق البلديات وتدوين التاريخ الشفهي، ورسم الوجوه وتوثيق النقوش، وغيره مما يطول ذكره في سفر انجازات هذه القامة العلمية الكبيرة التي وزعت اهتمامها بين الأردن وفلسطين ومدن الشام الأخرى.

علميا يدخل البخيت ضمن مدرسة التاريخ كما هو، لا كما يجب أن يكون، والتي يعد هاملتون جب من ابرز روادها، فابتعد عن التأويل وظل وفيا للغة البعيدة عن تحميل الايدولوجيا او التفسيرات الاسقاطية، وكان محافظا في كتابته التاريخية، قريبا من المصدر الذي ينهل منه، لكن المصدر لا يصادره، بمعنى لا يطغى عليه. لكن يؤخذ عليه برغم ثقافته العالية وحسه الفني انه لا يوظف ذلك في كتاباته.

كرس البخيت اتجاهاً في الأبحاث التاريخية، ودرب مجموعة كبيرة من الباحثين، الذين يندر فيهم أن تواصلوا مع منهجه أو بقوا عليه، وهو ما يثير الأسئلة. ولم يعن البخيت، كما يشتهي أن يؤول البعض، بالهوية الوطنية الأردنية من موقف البحث عن الشرعية، ولم يرد هو ذلك مع انه كان بوسعه، فهو لم يعنى في أي مكان تريده الدولة، بقدر ما كان يختار هو مكانه الذي يعطي به، ولذا من الصعب القول بأنه وظف أو استثمر بدون أن يكون هو واعيا لأهمية ما ينجزه في بناء سجل التاريخ الوطني، وبالدرجة الأولى تاريخ الناس والأشياء والمؤسسات والحواضر والمجمتع الذي بين أنه سابق على التكوين السياسي للدولة.

ربما لم يفلح البخيت في أشياء، لكنه نجح في الأكثر، نجح في البقاء باحثا وأستاذا برغم كل انشغاله، ونجح برغم محاولة إقصائه بالعودة كاتبا عربيا في مجلة المجلة إلى جانب الطيب صالح ومحمد عابد الجابري وغيرهما، نجح في أن يحصد التأييد الكبير في ضرورة توفير الحرية للمؤرخ برغم أن حكومة أبو الراغب قامت بإقصائه من موقعه، حاز على ثقة كبيرة في الداخل والخارج في الأوساط العلمية العربية والعالمية وهو ما جعله من الندرة التي تساهم في كتابة تاريخ العالم ومواد الموسوعة الإسلامية.

نقيض النجاح هو الإخفاق، اخفق طلاب البخيت – اغلبهم- في تمثل منهجه والاستمرار به، بل انه يتفوق عليهم حتى اليوم، واخفق الرجل في تبرير صرامته وشدته العلمية لمن لا يعرف معناها، صحيح انه لم يكن مطلوبا منه تبرير ذلك، لكن ذلك وفر له خصومة لا يراها، واخفق البخيت في جعل الجامعات التي حل بها متنزها للحب والعشق والكراهية كما هو حال بعضها اليوم، بقدر ما كان يحولها دوما لخلية عمل دؤوب، لكن للأسف كان دائما ما يبنيه يجري الثأر منه بعد تركه او مغادرته الجامعة.

 حدث ذلك في مؤتة، ثم في آل البيت التي آمن فيها أن خبرات الأمة خيرات لها، لذا احتمل عبء استضافة الكفاءات العلمية العربية برغم معارضة الكثيرين له في ذلك. أيضا لم ينجح البخيت في إقناع الزملاء الاكاديميين في أن يسيروا كما سار، وخاصة في حقل التخصص الدقيق، وفي حين ظن بعض محبيه أنه أحبهم أو تبناهم، إلا انه لا يعرف في البحث حباً أو قليل لطف على حساب القيمة العلمية.

مع ذلك كله، لهذا الرجل محبوه، الصادقون المؤمنون بخياراته، التي اختارها، وهو قادر بوعي على التمييز بين من يملك المعرفة ومن يملك الإنشاء أو القصّ، والصعود على سلم الود الكبير الذي يبادله الرجل لمن يحيطون به، بدعوى الصداقة والأستذة، وهو أحيانا ما يسمح بوقوع أخطاء في خياراته لمن يعملون معه، من المتبرعين بالحب لأي رئيس أو أستاذ.

لكن أجمل ما في الرجل ذلك الاحترام الكبير الذي يبديه للموظفين العاملين معه من خارج وسط الأكاديميات، في مؤتة المرحومة شفى المجالي وبيان زريقات وطه العضايلة وآل البيت عدنان الشديفات ومقبل الشرفات والصديق محمود الدويري واحمد الحسبان وجعفر حطاب مسؤول المقسم في آل البيت والمهندس أكرم الشديفات من دائرة الصيانة، ومن عاملات النظافة اذكر أم محمد وأم هاني وأم أمل واليوم في لجنة بلاد الشام فايز الخلايلة وشادي نبيل ونسرين الزبن.

 هؤلاء الموظفون كبارا وصغارا على اختلاف مواقعهم كانوا يعدون الرجل أخا لهم قبل أن يكون رئيسا عليهم فظل مصرا على تفقدهم والتواصل معهم في كل مناسباتهم حتى وإن غادرهم، في المقابل هم أحبوه بلا رياء أو تكلف.

وأخيرا، يسمح البخيت لطلبته بالاختلاف معه، لكن كثيرين لا يجرؤون على ذلك، جراء أنهم جاءوا من هوامش معرفية أو مشاريع عمل آفلة، او يهابون علميته.

[email protected]

التعليق