"هوية الروح": محمود درويش "بطل" عرض سينمائي عن "بحار" نرويجي

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 09:00 صباحاً
  • "هوية الروح": محمود درويش "بطل" عرض سينمائي عن "بحار" نرويجي

عرض "خماسي الأبعاد" تحت سماء رام الله

يوسف الشايب

رام الله- شموع على الجانبين.. آلاف يجلسون على الكراسي دون صخب.. خمس شاشات تستعد للعناق.. كلمات مقتضبة "بعض الشيء"، ويبدأ العرض السينمائي "هوية الروح".

الشاشات الخمس تتعانق أحياناً، وتتنافر أحياناً أخرى.. ترسم لوحة متكاملة حيناً، وحيناً آخر تنفصل لتقدم خمسة مشاهد مختلفة، في تقنية مبهرة لأول عمل سينمائي "خماسي الأبعاد"، إن جاز التعبير.

الشاعر الكبير، محمود درويش، يطل من رام الله على الفلسطينيين، والعالم، بأكثر من صورة، وأكثر من وضعية، يبدو شاعراً، وراوياً، مع بعض التجسيد أحياناً.

يروي درويش حكاية "البحار" النرويجي تيري فيغين عبر قصيدة عنه للكاتب المسرحي والشاعر هنريك أبسن، تلاها بقصيدته "يحلم بالزنابق البيضاء"، التي سبقت فكرة العرض، لكنها جاءت متسقة معه، وكأنها معدة خصيصاً لـ"هوية الروح".

أطل درويش أكثر من مرة، تارة على الشاشة الأولى من اليمين، يحاور النوارس، وتارة أخرى يتوسط الشاشات الخمس، ويتنقل بين شاشة وأخرى، والخلفيات تختلف باختلاف فصول الحكاية، ومرة ثالثة تراه في الشاشة أقصى اليسار، ورابعة يمد يده لصغيرة بحنو فائق، وخامسة.. وسادسة.

العمل المبهر بصرياً، والذي لا يمكن عرضه في قاعات سينما مغلقة، كونه يتطلب الشاشات الخمس، دمع بين أكثر من نوع فني، فالنص الذي يجمع ما بين الشعر، والرواية، والمسرح أحياناً، كان فضاء رحباً لتنوعات فنية جمعت ما بين السينما، والمسرح، والرقص المعاصر، والأدب، و"الأنيميشن"، و"الفيديو آرت"، وغير ذلك في عمل أخذ شكل السينما، وكان الإبهار، الذي انعكس في وجوه المشاهدين، عنوانه.

الشاشات الخمس كانت مساحة تنقل فيها درويش على وقع حكاية "تيري"، ما بين شط، وبحر، وسماء، ونوافذ، وصحراء، وسفن، وموانئ، وغيرها.. أحياناً كانت الصورة تكتمل باكتمال النظر إلى الشاشات مجتمعة، فتبدو كشاشة عملاقة واحدة، وأحياناً كانت الشاشات تتجزأ لترسم مشهدين، أو ثلاثة، وأحياناً خمسة، وهو ما كسر بنجاح رتابة تقديم نص أدبي في عمل سينمائي، وإن كان لظهور درويش "بطلاً" للعمل هالة عملاقة لا يمكن أن تفكر الرتابة بالتسلل عبرها.

الحكاية التي كتبها شعراً ابسن، وترجمها فاضل العزاوي، بدأ بلسان درويشي يقول: "في سالف العهد عاش شيخ غريب الأطوار في جزيرة نائية جرداء.. لم يسِء إلى أحد قط في حياته سواء في البر أم في البحر.. ومع ذلك كانت عيناه تتقدان غضباً أحيانا إذا ما رأى العاصفةَ تهبُّ مقبلةً، فيرميه الناسُ حينذاك بالجنون.. فلا يقترب من تيري فيغين سوى قلة لا تهابه".

وتبرر درويش على لسان أبسن، بعض الرتابة في الحكاية حين يقول: "والآن سأروي لكم كل ما سمعت عن تيريه من أول القصةِ إلى آخرها، فإذا ما بدت لكم جافةً بعض الشيء أحيانا، فلأنها لا تنقلُ سوى ما قد حدث بالفعل".

ومختصر حكاية "تيري" أنه كان أصغر بحاري السفينة التي توجهت إلى أمستردام، بعد أن قرر هجر منزله لطيشه، وحين غلبه الحنين وعاد لم يعرفه أحد، خاصة بعد رحيل والديه، فقرر مرافقة الحرية في البحر، إلا أنه تزوج بعد عام، وعاش حياة سعيدة مع أسرته الجديدة، التي أضيفت إليها الصغيرة "آنا"، وكان يتنقل ما بين البحر واليابسة، حتى اندلعت الحرب في العام 1908، وسيطرت القوات الإنجليزية على الموانئ كلها، وعمّ الفقر والمرض، وانتشرت رائحة الموت في كل مكان.

غادر "تيري" المكان بقارب صغير إلى الدنمارك لتأمين بعض الطعام لأسرته، غير آبه بالشعاب المرجانية عند شواطئ البلد المجاور، وبخطر "رجل الحرب الإنجليزي"، ليحضر كمية قليلة من المؤونة لا يتسع القارب الصغير وفقره الكبير لأكبر منها.

في طريق العودة، وحين اقترب من المنزل بعد أربعة أيام، اكتشف الجنود الإنجليز أمره، وطاردوه، وقاوم لدرجة أن ألقى نفسه بالبحر، بعد أن فر وبقاربه وتحطم عند الصخور، إلا أنهم ألقوا القبض عليه أخيراً.. كان وقتها ما يزال في الثامنة عشرة من عمره، وسجن لخمس سنوات.

في العام 1824 حل السلم بالمنطقة، وعاد الأسرى، ومن بينهم "تيري" إلى بلدته بمركب عسكري سويدي صغير.

في المنزل اكتشف أن أناسا غرباء يسكنون المكان، وحين بحث عن مصيره زوجته وابنته، اكتشف أنه بعد أن لم يتمكن من العودة بما حصل عليه من مؤونة، لم يساعدهما أحد، وانتهى بهما الأمر إلى مقبرة عامة للفقراء، تملكها الكنيسة.

مرت أعوام وهو يمارس عمله كمرشد للسفن في ميناء بلدته، دون حكايات تذكر، إلى أن كاد مركب اللورد الإنجليزي، وزوجته وابنته الصغيرة، يكاد يغرق، فعمد "تيري" إلى إنقاذه، إلا أنه سرعان ما فكر بالتراجع، حين أدرك أن هذا اللورد، هو ذات الضابط، الذي طارده، وكان سبب تحطم مركبه، واعتقله، وصادر المؤونة التي كانت كافية لإبقاء زوجة تيري وابنته على قيد الحياة، لكنه لم يفعل.. عرف اللورد ما أن منقذه المفترض هو ذات الشخص الذي حطم هو حياته ذات يوم، حين خاطبه تيري: كنتَ تُبحر متنعما في سفينتك الجبارة، فيما أنا أجدّفُ في قاربي الوضيع.. جاهدتُ من أجل أسرتي حتى كدتُ أموت، أما أنت فقد سرقتَ خبزهم، وحين بكيت سخرت من دموعي المريرة.

أمسك "تيري" بطفلة اللورد الإنجليزي وزوجته رهينتين، وحين أدرك وهن غريمه، وعدم قدرته على القتال، شعر بنشوة الخارج للتو من الزنزانة، فأعاد الطفلة برفق إلى والدها، بعد أن قبّل يدها، وأطلق سراح الأم، وأنقذ العائلة.

ذاع صيت "تيري"، الذي انتصر لقلبه، كما أدرك أخيراً، وحين جاءه اللورد وزوجته وحشد لشكره على ما فعل في تلك الليلة، أشار إلى الطفلة هي من دفعته لفعل ذلك، وهي التي أنقذت الموقف برمته.. لتنتهي الحكاية، وهو يراقب قارب اللورد، وهو يحمل علم النرويج، قبل أن ينطق بكل المشاعر المختطلة "ما أكثر ما خسرت.. ما أكثر ما ربحت".

الحكاية تواصلت على مدار ساعة تقريباً، أخذت قصيدة "زنابق" درويش منها ثلثها الأخير المرصع بنجوم الكلمات التي لا تتكرر.. درويش الذي بدا وكأنه يتحدث عن "تيري" الذي لم يتعرف إليه إلا قبل أشهر، كان يتحدث عن نفسه ربما، حين بدأ "يحلم بالزنابق البيضاء.. بغصن زيتون.. بصدرها المورق في المساء.. يحلم، قال لي، بطائر.. بزهر ليمون.. ولم يفلسف حلمه لم يفهم الأشياء إلا كما يحسّها.. يشمّها.. يفهم، قال، إنّ الوطن أن أحتسي قهوة أمي.. أن أعود في المساء".

ويتابع درويش بشعر كمق البحر، الذي لطالما عانقه، وصارعه "تيري": سألته: والأرض؟.. قال: لا أعرفها..!

ويقول درويش في مقطع آخر من القصيدة "حدّثني عن لحظة الوداع، وكيف كانت أمه تبكي بصمت عندما ساقوه إلى مكان ما من الجبهة.. وكان صوت أمه الملتاع يحفر تحت جلده أمنية جديدة: لو يكبر الحمام في وزارة الدفاع لو يكبر الحمام!... دخّن، ثم قال لي كأنه يهرب من مستنقع الدماء: حلمت بالزنابق البيضاء بغصن زيتون.. بطائر يعانق الصباح في غصن ليمون".

وتابع درويش رواية حكاية صديقه المحارب، الذي قتل الكثيرين، مطالباً إياه تذكر أحدهم، فقال إنه يتذكر حين فتش في جيوب أحد قتلاه، فوجد صورة ابنته وزوجته.. سأله درويش إن كان تملكه الحزن أو تسلل إليه، فأجابه: يا صاحبي محمود الحزن طيّر أبيض لا يقرب الميدان.. والجنود يرتكبون الإثم حين يحزنون.

إذاً، هي جدلية الحرب والسلام.. الحب والانتقام.. الأبيض والأحمر.. الحمام والرصاص.. هو ما قاله درويش، وأبسن، عن تيري وغيره في "هوية الروح"، الذي استطاع تحويل قصيدتين نرويجية، وفلسطينية، إلى عمل فني مبهر، يقترب كثيراً من السينما.

النرويجي توماس هوغ، مخرج "هوية الروح"، قال قبيل عرض الفيلم، تحت سماء رام الله، وعلى أرض ملعب مدرسة الفرندز، مساء أول من أمس الأحد: "مهمتنا كفنانين أن نحث الناس على التفكير، وبإمكان أشخاص آخرين أن يثقفوا وأن يعظوا.. كان هذا السعي للتأمل والمسؤولية الفردية أحد المجالات التي ربطتنا بالشاعر محمود درويش حالما التقينا، وأحد المجالات التي نفتخر جميعنا بأن نواصل السير فيها باسمه"، مشيرا إلى أن "عرض هوية الروح يستكشف قدر الوحشة التي نحسها نحن كآدميين عند اتخاذ القرارات بشأن الحياة والموت".

وأضاف: "هذا العمل ليس تذكاراً، بل هو إنتاج مدروس كنت أبحث فيه عن رديف معاصر لقصيدة إبسن العظيمة عن الثأر والانتقام، وعثرت زوجتي جولي على "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، فعثرنا درويش وأنا، كل منا على الآخر في سعينا الفني لحمل أدب القصيدة والدخول به في القرن الحادي والعشرين"، مؤكداً أن هذا العرض "يخلق ترابطاً حميماً مع البشر في مختلف أنحاء العالم، وستحفظ من خلاله ذكرى محمود درويش حية نابضة".

وعن حكاية مشاركة درويش في الفيلم، قال هوغ: "حضرنا إلى رام الله في كانون الثاني (يناير) 2008 لنستأذن درويش باستخدام قصيدته، ليقوم فنان محترف بأدائها في عرضنا الثقافي السينمائي، فوافق درويش بحماس بعد أن رأى العرض السينمائي للنسخة اليابانية من قصيدة ابسن".. لكن درويش استدرك قائلاً: "أعتقد أنني سأقرر قراراً مهماً، لم لا أقوم بقراءة قصيدتي بنفسي. عندها شعرنا بفرح غامر، ووافقنا بسرعة، ثم طلب درويش أن يطلع على الترجمة العربية لقصيدة ابسن فأعجب بها، وعلّق بعد أن قام ببعض التعديلات البسيطة على الترجمة، "هذه قصيدة جميلة وقوية جداً لمَ لا أقرأها أيضاً"".

وأضاف هوغ: "شعرنا بدهشة كبيرة وسعادة لا توصف، جئنا إلى درويش نطلب إذناً باستخدام قصيدته في العرض، لكننا حصلنا على مشاركته الشخصية أيضاً، وهذا أمر رائع فاق توقعاتنا".

المثير في العرض، الذي أنتجته شركة آرتس ألاينس البريطانية للإنتاج، ويتنقل في الأيام المقبلة في جميع المحافظات الفلسطينية، أنه جاء بالتزامن مع قراءات شعرية لدرويش في أكثر من 100 موقع حول العالم: استراليا، الصين، بنغلاديش، الهند، جميع دول الخليج العربي، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، زمبابوي، سيراليون، الولايات المتحدة الأميركية، جنوب أفريقيا، المكسيك، الأرجنتين، فرنسا، ألمانيا، انجلترا، النرويج، وغيرها الكثير.. "محمود درويش وحد العالم حياً وميتاً".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أمل (samar)

    الأربعاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لم استطع ولن استطع ان اقف صامتا واشهد رحيل شجرة الزيتون محمود درويش , ان بقاء محمود حيا بداخلنا هو اقل ما نستطيع تقديمه لكي يبقى الامل الذي لطالما اراد محمود احياءه بداخلنا( امل العودة) , لطالما كانت وما زالت فلسطين البداية والنهاية لمحمود . اتمنى ان يبقى محمود محفورا في الذاكرة ماضا وحاضرا ومستقبلا عندما تكون الكتابة لك انسى اللغة فالصمت في مقامك ابلغ
  • »أمل (samar)

    الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لم استطع ولن استطع ان اقف صامتا واشهد رحيل شجرة الزيتون محمود درويش , ان بقاء محمود حيا بداخلنا هو اقل ما نستطيع تقديمه لكي يبقى الامل الذي لطالما اراد محمود احياءه بداخلنا( امل العودة) , لطالما كانت وما زالت فلسطين البداية والنهاية لمحمود . اتمنى ان يبقى محمود محفورا في الذاكرة ماضا وحاضرا ومستقبلا عندما تكون الكتابة لك انسى اللغة فالصمت في مقامك ابلغ