فيلم "الزائر": العربي على مقصلة الصورة النمطية

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 10:00 صباحاً
  • فيلم "الزائر": العربي على مقصلة الصورة النمطية

 

رشا عبدالله سلامة

عمّان- بعيدا عن صخب هوليوود وضجيج شخصياتها وأجوائها وأجندتها السياسية المسمومة، يأتي الفيلم الأميركي "الزائر" ليكاشف بلاد العم سام بحقيقتها بعيدا عما تدعيه من ديموقراطية وتقديس للحريات.

ويستند "الزائر" في مكاشفته تلك على حقيقة أن أميركا تخلت عن جلّ إن لم يكن كل مبادئ الحرية التي قامت عليها عند أول انعطافة أمنية واجهتها وهي تلك المتمثلة في هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، لتغدو بعدها واحدة من دول العالم الثالث فيما يتعلق بالتضييق على الحريات والتجسس على حياة الجاليات هناك إلى جانب إبدالها وجهها الوديع في التعاطي مع الأعراق المختلفة وجنوحها بدلا من ذلك نحو الصورة النمطية المعلبة التي تصبغ البريء والمجرم بصبغة واحدة.

 يحمل فيلم "الزائر" رؤية جديدة للعرب، على الرغم من كونه يصنف واحدا من الأفلام ذات الميزانيات القليلة، إلا أن ذلك صبّ في صالحه، إذ انعكس اختزال عدد الشخصيات والمواقع التصويرية كثافة وعمقا عليها، حتى شعر المشاهد بالقرب حتى الالتصاق من نفسية البطل الذي أدى دوره ريتشارد جنكنز، والبطلة التي أدت دورها الممثلة الفلسطينية من المناطق المحتلة العام 1948 هيام عباس.

سبر غور الشخصيات لم يأت من خلال استجداء الموسيقى التصويرية والحوارات الطويلة، بل ببراعة فائقة غزلها توم مكارثي الذي كتب وأخرج النص، معتمدا على شخصية دكتور الاقتصاد الأرمل والتر الذي يعيش ما بين عزلته واكتئابه وما بين وظيفته الجامعية التي يهيمن عليها الروتين، حتى يغادر إلى نيويورك للمشاركة في مؤتمر علمي فيكتشف أن أحدا أجّر شقته لعربي اسمه طارق وزوجته السنغالية زينب.

 وتتوالى الأحداث بعد ذلك عندما يشعر بالألفة معهم، فيقترب من ثقافتهم ومزاجهم أكثر من خلال تعلمه "الطبلة"، ومن ثم انخراطه حتى الثمالة في قضية طارق الذي تمسك به دائرة الهجرة الأميركية لمخالفته قوانين المكوث، حتى يلتقي بوالدة طارق القادمة من ميتشجغن والتي ينشأ بينه وبينها ود من نوع خاص تنصهر معه الفوارق الثقافية والنفسية في بوتقة الإنسانية.

قدرات تمثيلية لافتة أبداها فريق العمل الذي ظهر متشربا المبادئ والأهداف التي يرمي إليها من غير اعتلاء منبر الوعظية وبمهارة شعر معها المشاهد بأن الكاميرا تسللت خفية لالتقاط تفاصيل القصة من غير علم الممثلين، لكثرة ما ظهروا به من تلقائية وبراعة لافتة.

ولربما ليس "الزائر" هو الفيلم الأول الذي يتناول قضية المهاجرين والمقيمين في أميركا وما عانوه وما يزالون يعانونه وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، بيد أنه برغم ذلك يكتسب صبغة خاصة عندما يربت بحنان على كتف العرب والمسلمين من خلال احتفائه بترابط عائلاتهم، مع تصوير الشق الليبرالي وكذلك المحافظ في حياتهم دونما استعلاء أو استهجان كما حدث مع أفلام أخرى تطرقت لحقوق العرب غير أنها لم تتوان عن إغراقهم في مزيد من النمطية المجحفة كما في فيلمي "بابل" و"سيريانا" وغيرهما.

 كذلك اقترب الفيلم من المعاناة العربية في عقر دارها وفي المنفى عندما تطرق لقصة والد طارق الذي كان صحافيا في سورية، والذي سجن سبع سنوات بسبب مقالة كتبها، فما كان من طارق ووالدته بعد وفاته إلا أن طلبا اللجوء السياسي لأميركا، ليدخلا بعدها في غياهب عالم الهجرة وتعقيداته والذي لم يكن أقل سوداوية من البلاد العربية، وهو ما ظهر في عبارة والدة طارق عندما وصفت تعامل الأمن الأميركي مع ابنها بـ"المشابه لما يحدث في سورية"، وهو ما عززته النهاية المفتوحة للفيلم عندما تم ترحيل ابنها وعودتها إلى سورية في إشارة إلى أن المحصلة باتت واحدة وأن حقوق العربي والمسلم مهدورة أينما حلّ.

قيم أخرى قدمها الفيلم لمشاهديه تمثلت في تسخير عوامل كالموسيقى والطعام والحب للتقريب بين الأجناس البشرية كافة، ليظهر حينها خيط الإنسانية أرق وأرفع من أن يُقطع أو يسال دمه.

هذا التقريب بين الأجناس البشرية وقضاياها وهمومها من خلال تقديم الصورة الحقيقية عن العربي المسلم البسيط وكذلك الغربي المسالم من شأنه رأب الصدع الحاصل بين شقي المعادلة، بعيدا عن جنون الإرهابيين الذي صبغ العالم العربي والإسلامي بصبغته وبعيدا عن غطرسة وتجبر المحافظين الجدد والساسة الأميركيين، التي لونت العالم الغربي كله بصبغة العنصرية والانحياز ضد العرب والمسلمين.

 وبرغم كل هذا الحنان والتفهم للمعاناة العربية وشجونها، إلا أن القضية المحورية الأهم للعرب وهي القضية الفلسطينية ظهرت على استحياء بالغ كي لا تُغضب اليهود أو تثير حفيظتهم، وكان هذا الظهور الحيي من خلال تعريف والدة طارق بنفسها قائلة "أنا فلسطينية- سورية" في إشارة إلى كونها لاجئة فلسطينية في سورية، مع تدارك حتى هذه اللمحة البسيطة فورا بمشهد الشخصية اليهودية التي ظهرت مسالمة ووديعة إلى جانب المسلمة السنغالية في السوق، لتبقى شجون والدة طارق تعتمل في خيال المشاهد وإن لم يعطها الفيلم مساحة للظهور، تعتمل بينما هي تردد أبيات الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي خاطب شعبه ذات مرة قائلا "كم مرة ستسافرون؟ وإلى متى ستسافرون؟ ولأي حلم؟ وإذا رجعتم ذات يوم فلأيّ منفى ترجعون؟".

التعليق