ما بين "made of honor" ورومانسية الأفلام العربية: بون شاسع وحلقات مفقودة

تم نشره في الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • ما بين "made of honor" ورومانسية الأفلام العربية: بون شاسع وحلقات مفقودة

رشا عبدالله سلامة

عمّان- أيقظ الفيلم الأميركي "made of honor" أسئلة كثيرة وملحة فيما يتعلق بالرومانسية الغربية، التي هيمنت على قلوب متابعين كثر في أنحاء العالم قاطبة، فيما ما تزال الرومانسية العربية تقف خجولة أمامها رغم تغني العرب بها دوما ووصفهم إياها بالممتدة منذ عصور سحيقة.

 "made of honor" فيلم رومانسي واقعي يمضي من تخوم العاطفة الإنسانية البسيطة نحو أعماقها وآفاقها بلمسة كوميدية اجتماعية لطيفة، استعرض من خلالها أطيافا واسعة من المجتمع والإثنيات بل وحتى الجنسيات إذا ما تم احتساب الفوارق التي ظهرت في الفيلم ما بين المجتمعين الأميركي والإنجليزي تصب في تلك الخانة.

 وكما قالت المفكرة الأميركية باربرا دي أنجليس ذات مرة "الحب هو ما يمكن حدوثه في غضون دقائق"، فإن بطل "made of honor" (الذي أدى دوره الممثل باتريك ديمبسي) اكتشف حبه فجأة لصديقته (ميشيل مونجهان) التي كان يعود إليها فقط أيام المحن للاستشارة والمساعدة، لتنكشف له حقيقة ذلك الحب عند سفرها لمدة وعودتها مرتبطة بشاب اسكتلندي، وما تلا ذلك من معاناة عاشها حتى قرر مصارحتها وتدارك لحظات حريتها الأخيرة قبل أن يُعقد قرانها في الكنيسة.

ثمة انعكاس طبيعي في الفيلم لبساطة الفلسفة العاطفية الأميركية، إذ بسلاسة وتلقائية يتم اتخاذ صديق من الجنس الآخر من غير أن تلوح العقد الجنسية في الأفق، كذلك بسلاسة يتم الشعور بالحب والاعتراف به، وبسلاسة أيضا يتم تقبل الرفض أو التأجيل أو أية نهاية مؤلمة أخرى.

 وبرغم التحفظ العربي على الانفتاح الغربي فيما يتعلق بالعاطفة والارتباط، إلا أنه ما من مناص من الاعتراف بقربهم أكثر من الطبائع الإنسانية التلقائية بعيدا عن التعقيدات التي تشوب المجتمعات الشرقية فتضيف بند العاطفة إلى قائمة مشاكلها وقضاياها. فمن خلال هذا الفيلم الذي يشف نزرا يسيرا فقط من الفلسفة

العاطفية الغربية، تظهر ردود الأفعال متباينة بقسوة بينهم وبين العرب الذين يحولون الحب إلى حرب في جرة قلم! ففي الوقت الذي بارك فيه البطل ارتباط صديقته برجل آخر معاونا إياها في تفاصيل العرس كافة رغم حبه الغامر لها، فإن الشاب العربي دأب في هكذا مواقف واقعيا وسينمائيا على أن "يستشرس" محاولا الانتقام لإخفاقه العاطفي بوسائل قد لا ينتهجها العدو مع خصمه. وهذا ما كان على صعيد تقبل ارتباط المحبوبة بآخر، أما ما يتعلق بالحب نفسه والتعبير عنه فتتجلى عربيا الأزمة الكبرى، إذ لا تلبث المعايير الجنسية أن تطرأ على العلاقة وخصوصا من الجانب الذكوري الذي كثيرا ما يقع في الخلط بين الحب والجنس.

إلى جانب تعذّر اعتراف المحب العربي بعواطفه بسهولة بسبب المحاذير الاجتماعية البالغة التعقيد، وكذلك صعوبة انتزاع اعتراف المجتمع بعلاقات الحب الصادقة والتي تقع هي الأخرى ضحية التفسيرات الجنسية البحتة من قِبل أفراده.

إذاً، ثمة أزمة بل أزمات عاطفية فيما يخص واقع المجتمعات الشرقية، وهي أزمات متداخلة بعوامل أخرى منها الإرث الثقيل من العادات والتقاليد الاجتماعية إلى جانب التفسيرات الخاطئة الكثيرة للدين بالإضافة إلى الكبوة الفكرية في هذا الخصوص، والتي تنظر للارتباط على أنه طقس اجتماعي لا بد من تحققه بمعزل عن التفكير بالعاطفة وبالسبل السوية السليمة للتعبير عنها بلا عقد أو وجل! وكان أن ألقت هذه الأزمة العاطفية العربية بظلالها على السينما من خلال تبني بعضها للخط الرومانسي الغربي، فظهرت كحالات شاذة شعر معها المشاهد العربي باغتراب وبعد شاسعين عن الحقيقة المعاشة، كفيلم "من نظرة عين" و"ويجا" على سبيل المثال لا الحصر.

 فالأول يصور عروسا قررت في اللحظات الأخيرة قبل الزفة الارتباط بمصوّر العرس الذي عشقته من أول نظرة، فيما الثاني يستعرض نماذج شبابية منتزعة من مجتمعها بشكل غير مبرر، إذ يمضون فترات طويلة في منتجعات شرم الشيخ وحدهم ومن غير أية معايير أخلاقية أو اجتماعية ومن بين كل هذا السياق الناشز تظهر القصص العاطفية المفتعلة!

 وهنا يجدر التنبيه إلى أنه إن كان عذر هذه الأفلام هو السعي نحو إصلاح الوضع العاطفي العربي، حينها سيكون ذلك عذرا أقبح من ذنب، ذلك أن إصلاحهم هذا لا يُعنى ولا يهتم إلا بإسباغ رداء العولمة على المجتمعات العربية بدلا من تقويم مشاكلها وظروفها الحقيقية، إلى جانب أن الإصلاح لا سيما العاطفي لا يبدأ من السينما فيرتدّ على المجتمع وبطريقة أقرب لإجبار المشاهد على تجرع ما هو ليس حقيقي، بل هو يبدأ من التربية وأوساط التعليم والعمل لينتهي بالسينما كانعكاس وترسيخ.

 ولعله من المهم التنويه في هذا المقام إلى اختلاف الرومانسية العربية من حيث الواقع والتمثيل بين فترة هيمنة اليسار في الستينيات والسبعينيات وبين تلك التي ظهرت بعد المد الديني الذي تزامن والثورة الإيرانية تقريبا في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، إذ يظهر جليا السياق المنفتح الذي كانت تمشي فيه العلاقات العاطفية العربية إبان حقبة اليسار ولعل أفلام أحمد رمزي وعمر الشريف وغيرهما هي خير دليل على مدى التصالح بين المجتمع والسينما في هذا الخصوص، فيما أفلام حقبة المد الديني وقعت في أزمة تناقض الهوية التي يتنازعها الخطاب الديني المسيطر على المجتمع بقوة من جهة، والعولمة والهيمنة الإمبريالية الأميركية على المجتمعات العربية من جهة أخرى.

الجانب الآخر الذي لا يمكن إغفاله في حين أن السينما تغفله هو تأثر العاطفة العربية على مدار عقود تمتد حتى اليوم بجانبين هما: الموروث الاجتماعي المعقد والمحمّل بأعباء وقضايا كثيرة، إلى جانب الموروث السياسي الحربي والمأساوي الذي صبغ النفسية العربية وما يزال.

 وكلا الشقين لم يتم الإفادة منهما والدخول من خلالهما للرومانسية العربية سينمائيا، إلا فيما ندر. فعلى سبيل المثال لا الحصر استطاع الفيلم اللبناني "سكر بنات" تصوير العوائق الشرقية في مضمار العاطفة من حيث الحب وبروتوكولات الخطبة والزواج مع التطرق لعلاقات ما قبل الزواج وكيفية تحايل العرب عليها وتزويرها، فيما على الجانب السياسي لم يرق أي فيلم عربي تقريبا لمستوى الفيلم التركي "وادي الذئاب" الذي نسج خيوط قصة رومانسية من رحم الحرب على العراق، مستعرضا تفاصيل هذه القصة جنبا إلى جنب مع الأحداث السياسية المعقدة.

وتعن على البال في هذا المقام حالتان لو تم استثمارهما سينمائيا لكانتا خير سفير للعاطفة والرومانسية العربية وخير ترافع عن الحقوق العربية المهدورة سياسيا. الأولى هي رواية الأكاديمي الفلسطيني الذي يعيش في بريطانيا إبراهيم الفوال والتي تحمل عنوان "على تلال الله" وهي التي تناولت في طياتها قصة رومانسية خالدة مشت جنبا إلى جنب مع مأساة فلسطين لتنتهي نهاية مفتوحة بضياع الحبيبة والبلاد إثر نكبة العام 1948 مع عدم إغفاله استعراض القيم والعادات الشرقية المتزمتة التي تحكم العلاقات في العالم العربي. فيما الثانية هي قصيدة "في حديثها عن أبي" للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والتي استعرض فيها عواطف أمه حيال أبيه وكيف كانت تكنّ له حبا عظيما غير أن ظروف تهجيرهما ولجوئهما كما باقي الفلسطينيين لم تترك لها متسعا للتعبير عن كل ذلك الحب، ولعل البيت الذي تتجلى فيه القصة الرومانسية بأعلى درجاتها هو "وكيف أقولُ أحبكَ في آخرِ الليلِ حين تعودُ إلي على كتفيكَ نهارٌ ثقيلٌ وشمسٌ مطاردةٌ بالسواد.. وكيف أقولُ أحبكَ لا الوقت وقتي لأعبرَ صمتي ولا نحن عُدنا لأرضِ البلاد! وكيف أقولُ أحبكَ أولادُنا نائمونَ نَعم وما خافَ شباكنا من عِباد".

وحتى حدوث هذه "الصحوة" العاطفية واقعيا وسينمائيا، سيبقى العرب يتغنون برومانسية أمتهم وأساطيرها العاطفية مصوّرين ذاتهم روّاد الحب، فيما أحدهم يرتبك ويتلعثم ليس عند قول كلمة "أحبك" فقط بل حتى عند إلقائه التحية الصباحية على واحدة من الجنس اللطيف!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا يمكن المقارنة (A.Z)

    الاثنين 29 أيلول / سبتمبر 2008.
    اعتقد ان الكاتبة بالغت لحد ما بمقارنة الأفكارالعربية بالغربية، فالمحاذير الاجتماعية البالغة التعقيدالتي ذكرتها هي عبارة عن نصوص قرانية لا يمكن ان تتغير والعرب رغم انفتاحهم الواسع وتقدمهم فكريا بعض الشيء لا يمكن ان يرضوا بسهولة الذل او الهوان او ان تقوم امرأة باهانتهم بأي حال من الأحوال مثل ما لمحت الكاتبة بأن الغربيون يتعرفون الى بعض بسلاسة بدون تعقيد ثم تقام العلاقة ثم يحدث الانفصال بدون تعقيد, هل هذا هو السليم؟؟
    وأيضا مثال اخر عندما ذكرت الكاتبة ان العروس في الفيلم تترك عريسها في منتصف الحفل وتذهب الى المصور بكل سلاسة و يتقبل العريس هذا الأمر بسهولة وبقلب صافي؟؟ الفرق بين هذا الرجل الغربي والرجل العربي ان الغربي ليس مضطر ليشرح ما حدث امام عائلته الطويلة المؤلفة من 500 شخص على الأقل مثل العربي كما أنه غير مضطر الى رؤية احد منهم حتى المقربين جدا لمدة طويلة و ربما لا يعرفهم اصلا، كما انهم بدورهم لا يهمهم ما حصل وربما لن يتحدثوا بالموضوع مثل العرب الذين لن يرحموه طوال ما تبقى من حياته،
    هذه حقيقة لا نستطيع ان ننكرها
    فالرجل العربي يحسب الف حساب لسمعته التي ستذكر على كل لسان اما الرجل الغربي السلس لا يهمه أحد فهو يفعل ما يريد
    كما ان الكاتبة بالغت بتصوير السينما العربيةبأنها مأساوية وانها متأثرة يالموروث الاجتماعي مع ان هذا الكلام صحيح لحد ما لكن ليس لهذه الدرجة فنحن نرى الكثير الجديد المختلف عن عاداتنا وأصلنا في الأفلام العربية
    وشكرا
  • »... (lovely angel)

    الاثنين 29 أيلول / سبتمبر 2008.
    انا مع عبدلله بكل شي حكاه....يعني الفلم عادي جدا..بكفي تفلسف
  • »لا يمكن المقارنة (A.Z)

    الاثنين 29 أيلول / سبتمبر 2008.
    اعتقد ان الكاتبة بالغت لحد ما بمقارنة الأفكارالعربية بالغربية، فالمحاذير الاجتماعية البالغة التعقيدالتي ذكرتها هي عبارة عن نصوص قرانية لا يمكن ان تتغير والعرب رغم انفتاحهم الواسع وتقدمهم فكريا بعض الشيء لا يمكن ان يرضوا بسهولة الذل او الهوان او ان تقوم امرأة باهانتهم بأي حال من الأحوال مثل ما لمحت الكاتبة بأن الغربيون يتعرفون الى بعض بسلاسة بدون تعقيد ثم تقام العلاقة ثم يحدث الانفصال بدون تعقيد, هل هذا هو السليم؟؟
    وأيضا مثال اخر عندما ذكرت الكاتبة ان العروس في الفيلم تترك عريسها في منتصف الحفل وتذهب الى المصور بكل سلاسة و يتقبل العريس هذا الأمر بسهولة وبقلب صافي؟؟ الفرق بين هذا الرجل الغربي والرجل العربي ان الغربي ليس مضطر ليشرح ما حدث امام عائلته الطويلة المؤلفة من 500 شخص على الأقل مثل العربي كما أنه غير مضطر الى رؤية احد منهم حتى المقربين جدا لمدة طويلة و ربما لا يعرفهم اصلا، كما انهم بدورهم لا يهمهم ما حصل وربما لن يتحدثوا بالموضوع مثل العرب الذين لن يرحموه طوال ما تبقى من حياته،
    هذه حقيقة لا نستطيع ان ننكرها
    فالرجل العربي يحسب الف حساب لسمعته التي ستذكر على كل لسان اما الرجل الغربي السلس لا يهمه أحد فهو يفعل ما يريد
    كما ان الكاتبة بالغت بتصوير السينما العربيةبأنها مأساوية وانها متأثرة يالموروث الاجتماعي مع ان هذا الكلام صحيح لحد ما لكن ليس لهذه الدرجة فنحن نرى الكثير الجديد المختلف عن عاداتنا وأصلنا في الأفلام العربية
    وشكرا
  • »... (lovely angel)

    الاثنين 29 أيلول / سبتمبر 2008.
    انا مع عبدلله بكل شي حكاه....يعني الفلم عادي جدا..بكفي تفلسف
  • »So...? (Abdullah)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    أنا مش فاهم... شو بتحاول توصل الكاتبة؟!! يعني مش معقول شو متأثرة بالفيلم مع انو جيد و حلو بس عادئ مش اشي رهيب يعني!! بدها انو الشب العربي أول ما يشوف بنت يروح يحكي معها من دون ما يخجل!! دعوة "للتزبيط" يعني!! واضح انها من النوع اللي بتأثر بأي اشي غربي حتى لو كان عادي و مش مهم!!
  • »So...? (Abdullah)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    أنا مش فاهم... شو بتحاول توصل الكاتبة؟!! يعني مش معقول شو متأثرة بالفيلم مع انو جيد و حلو بس عادئ مش اشي رهيب يعني!! بدها انو الشب العربي أول ما يشوف بنت يروح يحكي معها من دون ما يخجل!! دعوة "للتزبيط" يعني!! واضح انها من النوع اللي بتأثر بأي اشي غربي حتى لو كان عادي و مش مهم!!