سلبيات التربية أحادية الجانب

تم نشره في السبت 27 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • سلبيات التربية أحادية الجانب

تسنيم الريدي

على الرغم مما يتمناه كل أب وأم من أن يروا أبناءهم على أكمل الأخلاق، وسيرهم على منهج الرحمة والرفق لا الشدة والعنف، إلا إننا نجد بعض وجنات الأطفال في بعض غرف البيوت وفصول المدارس ما زالت تتوهج تحت تأثير الصفعات، وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصي، ناهيك عن صواريخ الشتائم والتوبيخ والإذلال التي يتعرضون لها خلال فترات التحصيل العلمي واستذكار الدروس.

وما نعنيه هنا بالعنف التربوي يختلف نهائيًا عما نعنيه بالعقوبة التربوية، وذلك من حيث درجة العمق والتأثير، فالعنف التربوي يكون عبر فعاليات تربوية سلبية متعددة، تُشَكِّل المناخ العام لعملية تفريغ نفسي، ويتحقق عبر سلسلة من الخبرات المؤلمة التي يعانيها الطفل عبر سيرته التربوية في إطار الأسرة والمدرسة، كالعقوبات الجسدية، والاستهزاء، والسخرية، والتهكم، وإحكام التبخيس، وغير ذلك من الإصابات النفسية والمعنوية التي تشكل المناخ العام لحالة الخوف والقلق التي يعانيها الأطفال.

التربية أحادية الجانب

حاولنا إلقاء الضوء داخل بعض البيوت لنرصد آراء الأمهات والآباء، فتبدأ (هناء 28 عامًا) من فلسطين حديثها عن أسباب اتجاهها للعنف أحيانًا قائلة :" بعد استشهاد زوجي-نحسبه كذلك- صرت شديدة العصبية تجاه أطفالي، وأحيانًا كثيرة أكون عنيفة معهم، خاصة في أمور الدراسة والأخلاق، أحيانًا أحزن لأجل ذلك، وأعود لمصالحتهم، لكن أدرك جيدًا أنَّ له أثرًا سيئًا على نفسيتهم، فأنا لا أعتمد العنف بحد ذاته، لكني ألجأ إليه رغمًا عني كوسيلة من أجل توجيه الأطفال وتربيتهم.

وقد قرأت سابقًا أن العنف في التربية يؤدي إلى شخصية متشددة في أمور الدين، تنظر إلى البشرية والمقصرين بحق الإسلام بعين العنف، لا بعين الرحمة والتسامح، لذلك أحاول أنْ أضبط نفسي أثناء تعاملي مع الأبناء".

وتتفق معها (سهام الماجد 32 عامًا) من قطر قائلة : " من الناحية النظرية قرأنا كثيرًا عن مخاطر العنف التربوي والعواقب الوخيمة التي تنتج عنه، لكن من واقع الحياة والضغوط التي تقع على الوالِدَيْن والأم أكثر، فقد نتعامل مع الأطفال أحيانًا بشكل عنيف، ولا أرى أنّ هذا يسبب مشاكل نفسية عليهم، طالما أدرك الوالدان المشكلة، وحاولا تصحيح ما حدث، لكن أعتقد أنه من الصعب السير طول الخط على العنف، أو طول الخط على الرفق خلال الحياة التربوية للطفل، فنحن قد ضُرِبْنَا من قِبَل آبائنا وصرنا أسوياء !

التربية بالتسلط !

أما (محمود درويش 39 عامًا) من مصر، فيوضح قائلًا :" أعتقد أنّ من يستخدمون العنف في تعاملهم مع الأبناء لا يُدركون حجم العواقب الوخيمة لذلك، فالعنف يُؤَثِّر بشكل سلبي على شخصية الطفل، وأعتقد أن العنف هو انعكاس لشخصية الأبوين، بما في ذلك جملة الخلفيات التربوية والاجتماعية التي أثّرت عليهم في طفولتهم، أو اعتقاد البعض بأنه الأسلوب الأسهل في جعل الأطفال يلتزمون بما يريده الآباء دون جهد وجدال".

وقد تضطر الظروف الأسرية الإخوة الكبار أن يتحملوا أعباء التربية، وذلك في حالة فقدان أحد الآباء؛ حيث تقول (صفية 22 عامًا): تُوُفِّي أبي منذ أربعة عشر عامًا، وأمي سيدة كبيرة في السن، وأنا التي أتولى تربية أختي الصغيرة، وأعتقد أن العنف طول الوقت غير مُجْدٍ، والحنان طول الوقت لا يأتي بالنتيجة المرجوة ، إنما الأنسب الحنان والحزم في آن واحد، واستخدام كل منهما في الوقت المناسب، فهناك مواقف لايصلح معالجتها إلا بالحب والهدوء وإظهار العاطفة، ومواقف أخرى تحتاج إلى الشدة والحزم، لكن دون مبالغة، وقد يتحلى المربي بالثقافة التربوية والخلفية الكافية للتعامل مع أبنائه، لكنه قليل الصبر، وربما تَحْدُثُ مواقف غير متوقعة من الأبناء تدفع المربي إلى استخدام العنف تجاههم".

وتستكمل قائلة : "كذلك أعتقد أنّ من العنف التربوي تصريحَ الآباء بأنهم يفقدون الثقة في أبنائهم، وما يترتب على ذلك من الشكوك والظنون، وبالتالي المناقشات الحادة اللاذعة، التي قد تَجْرَحُ مشاعر الأبناء، وتترك أثرًا سلبيًّا دون أن يدري المربي خطورة ذلك. وقد يري البعض أن العنف هو الطريق المنشود لإيجاد أبناء أسوياء وهذا غير حقيقي، خاصة إذا لجأ الابن أو الابنة إلى العناد والانحراف، كَرَدِّ فعل لهذا العنف في التوجيه".

العقاب وضوابطه

حملنا هذه الآراء وتوجهنا إلى الاستشاري التربوي (د.ياسر نصر)- مدرس الطب النفسي بكلية الطب جامعة القاهرة، وعضو مركز "لندبيك" البحثي – بقسم الشرق الأوسط – بلجيكا، ومقدم برنامج " ساعة تربية" بقناة الناس الفضائية، قائلًا: "كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يضع قواعدَ للانضباط في التربية، وهذا الانضباط نَوْعٌ من أنواع الحسم في بعض الأوقات، ولا يتنافى مع قضية الرحمة والحب والتسامح، فنجده مع أنس رضي الله عنه عندما أرسله في إحدى شئونه، فتأخر، فما كان من رسول الله إلا أن انطلق خلف أنس ونادى عليه بنبرة خاصة حانية رفيقة، قائلًا: " يا أُنَيْسُ ! " وكان أنسٌ رضي الله عنه يعرف نبرة صوت الرسول وما يعنيه، واستوعب أن أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم يحثه أن يتحرك للذهاب في موضوعه، بلا صخب ولا عنف.

وكثير من التربويين، والأمهات خاصة، إن بكى الطفل في حالة ارتكابه خطأ ما تنسى الأمر وتحتضن الطفل، دون إدراك منها أن الطفل قد يفتعل ذلك للتأثير على رد فعلها وقرارها إزاءَ الخطأ الذي اقترفه، أو عندما يُمْنَع الطفل عن بعض الحلويات التي تُعْطِي السعرات الحرارية العالية وقت تناول الغذاء، فيَظَلُّ يبكي ولسان حاله يقول: " سأظل أضغط عليها بهذا الأسلوب، حتى تتنازل عن قرارها "!

وهنا، فالانضباط ووضع القواعد التربوية الحاسمة لا يعني الضرب الْمُبَرِّح، أو الصوت العالي ، أو سَبّ الأبناء ، أو الإهانة والتحقير أو المقارنة بينه وبين الآخرين أو التقليل من ذاته ، ولكنه يعني وضع قواعد تربوية لكي يعرف الطفل حدوده، توازيًا مع الحب والرحمة.

الضرب للتنفيس !

وللأسف، بعض الآباء عندما يستذكرون الدروس للأبناء ، ويكونون تحت ضغطٍ من الانشغال، وعدم استيعاب الطفل بشكل سريع – كما يرغب الآباء – يلجئون إلى الضرب العنيف، بحجةِ أن الطفل لا يُرَكِّز في الدراسة، أو أن استيعابه قليل، لكن هذا ليس السبب الحقيقي للضرب، إنما هو ضغط الآباء أنفسَهُم، وقلة حيلتهم أمام عدم استجابة الأطفال للتعلم، وأنّ الجو العام مشحونٌ في البيت، خاصَّةً أوقات الامتحانات أو الأزمات، فيلجئون إلى العنف، وهنا يجب أن يكون لدينا بدائل في التحصيل الدراسي، وتخفيف طاقة الضغط على الأطفال، والتشجيع المستمر في المجالات الأخرى يُحْدِث تحسنًا في مستوى التحصيل الدراسي والتعليمي، وعموما يجب أن يمنع المربي نفسه تمامًا من استخدام الضرب أو العنف في حالة الغضب.

واستخدام الضرب يكون بمحاذير شديدة ، وليس بأن نجد أمًّا تضرب ابنها لأنه ضرب أخاه، فبدلًا من أن تضربه، عليها أن تفصلهما عن بعضهما البعض في اللعب لمدة يوم مثلًا، أو التي تضرب ابنها؛ لأنه يُسْقِط الطعامَ على الأرض أثناء الأكل، فلماذا لا تضع له مفرشًا ليأكل عليه، أو كالتي تضرب ابنها؛ لأنه دخل الحمام ولَعِبَ في الماء وابتلتْ ملابسه، فلماذا لا تأخذه للنادي مثلًا للسباحة، أو حتى تُخَصِّص له وقتًا للعب في الماء، أو كالتي تضربه؛ لأن ملابسه اتسخت أثناء اللعب !

وهنا فالإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم للعقاب كانت للصلاة، حين يبلغ الطفل سن العاشرة، وهو سن البلوغ والحساب، وهنا فالضرب غير المبرح، إنما الإهانة فقط؛ ليعرف أنه اقترف ذنبًا كبيرًا في علاقته مع ربه.

 (الإسلام اليوم)

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خظأ (قدوره)

    السبت 27 أيلول / سبتمبر 2008.
    اريد ان انوه الى خطأ في كتابة العنوان , ( سلبيات )
  • »خظأ (قدوره)

    السبت 27 أيلول / سبتمبر 2008.
    اريد ان انوه الى خطأ في كتابة العنوان , ( سلبيات )