هل يبقى الشرق الأوسط جامعاً لما اختلف دوماً بين أوروبا وأميركا؟

تم نشره في الأحد 21 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • هل يبقى الشرق الأوسط جامعاً لما اختلف دوماً بين أوروبا وأميركا؟

 في الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جنرال موتورز

يتعذر عادةً وصف تاريخ السيارة كقطعة جامدة، إذ دائماً ما يحتل اسمها حضوراً وجدانياً لدى العملاء، مع تأثير خاص لمدى الفترة الزمنية التي صنعت هذا الوجدان، أو المكان الذي نشأت منه، بحيث يمتلكون مشاعر معينة تجاه سيارة أو ماركة بذاتها.

من هنا، يتضح الدور الذي يلعبه الزمان والمكان في صياغة مفهوم الارتباط الوجداني بين الناس والسيارات، وكيف أن الصانعين لا يحظون جميعاً بفرص زمنية متساوية لمواكبة هذا الأمر، لأن بعضهم لم ينطلق فعلياً مع بدايات هذه الصناعة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل الأخير، بل بعد عقود عدة، إضافة إلى تأثير البعد الجغرافي على ذلك، فبعض الماركات قد باشرت انتشارها العالمي منذ البداية تقريباً، وبعضها الآخر خلال الستينات والسبعينات "كالآسيويين تحديداً" قبل التحدث عن الكوريين الذين بدأ انتشارهم في الثمانينات، أوالصينيين والهنود، الذين يباشرون انتشارهم العالمي حالياً.

وعلى الرغم من تنوّع الصورة واختلافها بين الأزمنة والمناطق، فمن الممكن رؤيتها مجتمعة أيضاً لدى قلّة من الصانعين، ومنهم جنرال موتورز، التي ستجد عندها موديلات تعبّر لك عن أي مرحلة تشاء في تاريخ صناعة السيارات، بما فيها تباين الهويات التصميمية أيضاً بين السوقين الأساسيتين في معظم مراحل القرن الماضي، أي أميركا الشمالية وأوروبا.

فالمجموعة الأميركية التي ستحتفل في السادس عشر من أيلول (سبتمبر) المقبل بالذكرى المئوية الأولى لتأسيسها، بدأت مع بويك وأولدزموبيل في العام 1908، قبل أن تتسع تدريجاً لتشمل لاحقاً ماركات أخرى أميركية وأوروبية (خاصةً مع أوبل منذ العام 1929) وحتى آسيوية مع دايوو الكورية الجنوبية، علماً بأنها تملك اليوم مصانع في 34 بلداً في العالم، من أميركا الشمالية الى آسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية الى إفريقيا (بينها تونس ومصر).

كما تختلف صورة جنرال موتورز بنسبة ملفتة طبعاً بين السوقين الأميركية الأكثر ميلاً إلى السيارات ذات الفئة الكبيرة والشاحنات الترفيهية الرياضية، والأوروبية المائلة نحو الأحجام الأصغر نسبياً، لكن ما يدهش في الشرق الأوسط حيث يلتقي، حسب المناطق، الوجهان الأميركي والأوروبي، هو جمع عروض جنرال موتورز للوجهين معاً في تشكيلاتها المتعاقبة على مر السنين.

وإن دخلت المجموعة الأميركية الشرق الأوسط منذ أوائل القرن الماضي، بماركات أميركية بقي بعضها (مثل شفروليه وجي إم سي وكاديلاك) وخرج بعضها الآخر (بويك وبونتياك وأولدزموبيل التي توقفت كلياً أوائل العقد الحالي)، فهي لا تزال تتمثل في المنطقة اليوم بماركات شفروليه، جي إم سي، كاديلاك، وهمر الأميركية، إلى جانب أوبل الألمانية وساب السويدية.

وهو التنوّع الذي تنفرد به جنرال موتورز تحديداً في منطقة كالشرق الأوسط، فبينما تجد لدى اللبناني، السوري، أو الفلسطيني، ألفة واضحة تجاه موديلات جنرال موتورز الأوروبية مثل: أوبل وساب، والأخرى الأميركية، يزداد حضور الأخيرة بوضوح في بلاد الخليج حيث لعب موديلان محددان دوراً إستثنائياً، وهما طبعاً شفروليه "سوبربان" الرياضية متعددة الاستعمالات كبيرة الحجم، وسيارة كابريس الكاملة الحجم أيضاً.

فمنذ إطلاق "سوبربان" وسط الثلاثينيات، وكابريس في وسط الستينيات، عبّر الموديلان المذكوران عن أهم ما يحتاح إليه عميل الأسواق الخليجية بشكل خاص: الحجم الكبير لنقل ما يكفي من الأشخاص والأمتعة، وفاعلية المحركات الضخمة، لا لتلبية القيادة فحسب، بل على الأخص لتلبية المكيّف ذي الدور المفصلي في الأسواق الحارة عموماً، يضاف إلى كل ذلك قوة انتشار موزعي جنرال موتورز وتوفر قطعها بكثرة في مختلف أنحاء المنطقة، مما يوضح الشق الحسابي من معادلة نجاح الموديلين المذكورين.

طبعاً، مهما بلغت أهمية الشقين الحسابي والعملي، تبقى لعملية الذوق في اختيار السيارة كلمتها في الموضوع، فمع نجاح موديلَي "سوبربان" وكابريس، كل في قطاعه، في تلبية حاجات مستخدميهما بسخاء، وبتسعير وكلفة صيانة معقولتين، مع تزايد انتشارهما ومحافظتهما على قيمتهما في سوق المستعمل، تحوّل الإقتناع العقلاني إلى تعلّق تدريجي، فالموديلان يلبيان أكثر مما يطلبه الزبون عادة من نواحي الحجم والرحابة، قوة الدفع، ورخص الصيانة.

ومع بلوغ صناعة السيارات اليوم منعطفاً مهماً تحت وطأة ارتفاع أسعار الوقود، لا يستبعد بقاء الشرق الأوسط كما عهد حتى الآن، واحداً من أكثر أسواق جنرال موتورز تنوعاً في العالم، حتى مع التحولات المتوقعة، إذ بالرغم من أن الطلب سيزداد أكثر وأكثر على السيارات الصغيرة، إلا أن الطلب على الشاحنات الخفيفة سيتسمر بحكم طبيعة الأرض والمناخ، إلى حد يتأثر نسيباً بمعادلة التقدم في خفض استهلاك الشاحنات الخفيفة (وقد بدأ اختبار المحركات الهجينة مثلاً في شفروليه تاهو وماليبو في دبي في الإمارات العربية المتحدة)، مقارنة بمدى تبدل أسعار البنزين والقدرة الشرائية لدى زبائن الشرائح المختلفة.

وإن أعطت تحولات الماضي فكرة عن كثير من توجهات التغيير المستقبلي، فقدرة تنويع جنرال موتورز عروضها في المنطقة، على مر العقود، قد تشير إلى ثباتها في التغيير والتأقلم، كما فعلت دائماً، وعلى الرغم من تقلبات الظروف التي يشهدها أي صانع سيارات من وقت إلى آخر.

فكبرى شركات السيارات في العالم أتقنت عموماً مخاطبة عملاء الشرق الأوسط، المعتبر بين أكثر مناطق العالم تنوعاً في حاجاته وأذواقه، من أصحاب الذوق الكلاسيكي الباحثين عن موديلات سيدان مثل كابريس ولومينا، لأدوار عائلية أو رياضية أوعملية بكل بساطة، إلى محبي الشاحنات الخفيفة بأحجامها وقدراتها المختلفة لدى شفروليه وجي إم سي وهمر، أو الكروسوفر مثل: جي إم سي أكاديا وتيراين، أو السيارات السياحية المتوسطة وحتى الصغيرة الحجم لدى شفروليه، وصولاً إلى الأذواق الأوروبية مع عروض أوبل الألمانية وساب السويدية، قبل تتويج الكل بكاديلاك، سفيرة جنرال موتورز في عالم الفخامة، بسياراتها السياحية وبشاحناتها الخفيفة، وهي تاريخ في حد ذاته.

بحضور كهذا، ومنذ عقود متواصلة، هل يستغرب بقاء الشرق الأوسط واحة تجمع فيها جنرال موتورز تنوّع إنتاجها العالمي على نحو يتعذّر جمعه في أميركا أو أوروبا، بل ربما في أي مكان آخر في العالم؟.

التعليق