الفنان محمد العامري يقتفي تشكيلياً "أثر الفراشة" عند محمود درويش

تم نشره في الأحد 7 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • الفنان محمد العامري يقتفي تشكيلياً "أثر الفراشة" عند محمود درويش

غسان مفاضلة

عمان- يعكف التشكيلي الأردني محمد العامري منذ نصف عام، على اقتفاء ملامح الدلالات البصرية التي ترشح من نصوص ديوان الشاعر الراحل محمود درويش "أثر الفراشة" الذي صدر مطلع العام الحالي.

لا يسعى العامري في منجزه الفني، الذي يعرض بغاليري دار المشرق في شباط (فبراير) من العام القادم، ويصار إلى عرضه بعد ذلك في غاليري (إمبارح) بالبحرين في أيار (مايو) من العام نفسه، إلى تمثل حال التطابق بين التصور الشعري وانزياحاته البصرية في نص درويش، وبين الصورة المرئية وتمثيلاتها الذهنية على سطح اللوحة.

الاحتفاظ بمساحة مفتوحة على حدود الترسيم البصري والتأويل الشعري، هو ما يضبط (مغامرة) العامري في التحرك بين معطيين تعبيريين مختلفين؛ مغامرة يبقى التحكم بمسارها مرهوناً بيقظة الاقتراب من جملة الصمت في الشعر، بتلازم شفيف مع الإيحاء الذي يستدعيه غياب الصورة، ومع الإمحاء الذي يمارسه حضورها تشكيلياً.

مع "يوميات" درويش، وهو العنوان التوضيحي الفرعي لديوانه الثالث والعشرين "أثر الفراشة"، نقترب من مرآة المجاز وهي تسرد بإيجاز حكمة العابر اليومي/ الطارئ، المباغت، المستجد/ الذي يمر سريعاً مغافلاً لمح البصر، نافذاً إلى بصيرة تتولى رصد أثره وتوثيقه، تماماً كأثر الفراشة التي ما أن تخطّ في الفضاء ارتباك خفتها، حتى تمحوه بمنعرجات حِيرةٍ أخرى تؤسس بدورها لأثر جديد.

"أَثر الفراشة لا يُرَى

أَثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ

يستدرج المعنى، ويرحلُ

حين يتَّضحُ السبيلُ

هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ

أشواقٌ إلى أَعلى

وإشراقٌ جميلُ

هو شامَةٌ في الضوء تومئ

حين يرشدنا إلى الكلماتِ

باطننا الدليلُ

هو مثل أُغنية تحاولُ

أن تقول، وتكتفي

بالاقتباس من الظلالِ

ولا تقول..

أَثر الفراشة لا يُرَى

أَثر الفراشة لا يزولُ".

وبالخفة ذاتها، ومن ملمس جناحيها الرهيفين، يتسلل "أثر الفراشة" مازجاً (طحين الفضة) بأصباغ اللوحة.

ومن على سطح لوحة العامري يرتسمُ أثر الفراشة، الذي هو بدوره ارتسامٌ لأثرٍ على أثر؛ أثر الفراشة في الطبيعة، وأثرها في النص الدرويشي.

وسواء ارتبط حضور الفراشة مجازياً عند درويش بقصر الحياة، بدلالة ما هو عابر ويومي، بحسب العنوان الفرعي لـ "أثر الفراشة"، أم ارتبط واقعياً بخفة ذلك الكائن المرتبك الذي يسحره وَنَس الضوء ويصرعه، يبقى أثر ذلك الحضور منغمساً، في النَّص الشعري كما في النَّص التشكيلي، بمذاق الإشارة، ولصيقاً بجاذبيتها الحسيّة والتعبيريّة.

رغم ذلك، يفرض جنس التعبير وأدواته حالة من التمايز في طبيعة حضور أثر الفراشة وترسباته (العيانيّة) في التشكيل و(التصوريّة) في الشعر. فهو قرين الكثافة والعمق والاختزال والغموض في نص درويش، ومثقل بمكابدات التحوّل والتغيّر حين تقترن "حضرة الغياب" بوضوح التفاصيل.. أو وضوح السبيل.

بينما، يطبع الأثر حضوره العياني في اللوحة التشكيلية، بالخفة والرشاقة والشفافية والامتداد. فهو أثرٌ موشومٌ بالتماعات التوهج والبريق. أثرٌ يفيض بمرئياته حين تؤكد حضوره، لوناً وخطاً وعلامةً، وتتقمصه على عتبات الغياب.

سبق للعامري في العام 1992 من القرن الماضي، أن خاض تجربة الكشف عن مساحات التقاطع بين فضاء التشكيل (كنّص بصري) وفضاء الشعر (كنّص بصيري)، في معرضه "فضاءات شعرية" بالمركز الثقافي الملكي، الذي استلهم فيه تعبيرياً نصوص العديد من الشعراء العرب، محاولاً تحديد أوجه التقمصات والتحولات بين إيحاءات الصورة الشعرية وتمثيلاتها البصرية على سطح اللوحة.

"وجدت في "أثر الفراشة" منذ صدوره للشاعر الراحل محمود درويش، مساحة إغراء مفتوحة قادتني لخوض هذه التجربة التي بدأت تشكل لي منذ بدأت العمل عليها قبل نحو خمسة أشهر، أفقاً تعبيرياً جديداً" يقول العامري لـ "الغد".

ويبين أنه لم يرغب في الحديث عن تجربته التشكيلية المستوحاة من "أثر الفراشة"، لأنها تزامنت وهو في خضمها مع رحيل الشاعر الذي تحدث معه قبيل سفره الأخير، ليطلعه على موعد المعرض في شباط (فبراير) القادم، والذي أجابه حينها "بأن الوقت ما يزال بعيداً".

ويعتبر العامري الذي كان رئيساً لرابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين العام 2001، بأن نصوص "أثر الفراشة" من أكثر نصوص درويش قربا إلى تقطير اللغة، وكأنها عصارة لغوية تتحد فيها الجملة الشعرية مع الصورة البصرية على نحوٍ مكثفٍ مشرع على فضاءات التأويل.

ويوضح العامري، الذي يشغل منصب مدير مديرية المسرح والفنون في وزارة الثقافة، سبب اختياره نصوص "أثر الفراشة" موضوعاً تشكيلياً لتجربته الراهنة، بأنه اختار عنوان مجموعة درويش كمادة للخفة والرشاقة "فألوان الفراشة التي تتسم بالخفة، ألوان متطايرة كأنها (طحين الفضة)، إضافة إلى رشاقة الفراشة وحال الارتباك الذي يميّز طيرانها".

وزاد، بأن "جميع خصائص الفراشة وسماتها التي تتفرد بها، شكّلت العناصر الأساسية في بناء اللوحة، وصبغتها بنبض تعبيري خاص من دون أن تتطابق معها بشكل حرفي أو تشبيهي، وقمت بتوظيف بعض العناصر التي تنسجم مع روحية أثر الفراشة، مثل المنمنمات التنقيطية، والخدوش والسطوح الشفافة، وإدخال بعض الحروف غير المقرؤة، وزحزحة مركزية اللوحة إيحاءً بمعنى الخفة، ومضاعفة أثرها بصرياً".

التعليق