في ذكرى الراهبة (السير الحلو)

تم نشره في السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008. 09:00 صباحاً

 د سعد أبو دية

عمان- تعود ذكرياتي مع الراهبة السير حلو (منيرة شاكر حلو) إلى عقدين من الزمان. يومها دخلت المدرسة من اجل تسجيل ابنتي في روضة المدرسة وتعرفت عليها وتعززت صلتي بها يوما وراء يوم وكان لنا لقاء أسبوعي صباح يوم السبت.

في البداية كان اللقاء قصيرا لكنه أصبح يمتد لساعات طويلة في آخر سنواتها في المدرسة.

كنت أتناقش معها في أمور التعليم والحياة نقاشا مفيدا وأذكر ذات مرة أن حدثتها عن فلسفة الإغريق وأنهم في الحكم يتعصبون للإغريق فلا يحكم إلا إغريقي ولا يصل النور السماوي (الحكمة) إلا إغريقي على عكس فلسفة الرومان التي تمتد لحوض البحر المتوسط، وأي واحد يمكن أن يحكم، وهنا ذكرت لي مثلا معاصرا وهو أن هذه الظاهرة موجودة الآن في السلك الكهنوتي وأن أعلى السلم الكهنوتي يتم احتكاره أيضا في نفس الفلسفة.

تعاملت معي السير حلو دوما برقي بالغ واحترمت علاقتنا الى أبعد الحدود وكلما زرتها أغدقت علي من كرم الضيافة والاحترام ما يجعلني أسيرا لتلك المعاملة المميزة.

وعندما غبت عن الأردن وسافرت الى اليابان انقطعت زياراتي اليها بطبيعة الحال وعندما عدت اليها لاحظت انها افتقدت تلك الزيارات وقالت أصدقاؤك ينتظرونك.

وفي أثناء غيابي رعت في المدرسة ابنتي حنين وأسيل وذكرت لي ملاحظات تعكس مدى اهتمامها بهما اثناء غيابي، إذ قالت ان أسيل في غيابك لم تعد في نفس الحركة الدؤوبة والنشاط الهائل الذي كانت عليه اثناء وجودك في الأردن، مما جعلها توليها اهتماما أكثر.

وهكذا أصبحت لقاءاتي مع السير الحلو جزءا من برنامجي الأسبوعي وبقدر ما تعودت على هذا اللقاء فانني افتقدته بحزن كبير عندما غادرت. وبقدر ما أسعدتني هذه العلاقة الراقية فإنها سببت لي حزنا بعد أن تركت مكانها الكبير الذي من الصعب ان يملؤه اي إنسان مهما أوتي من صفات التميز ولن انسى يوم دعتني لحضور آخر حفل  تخرج للمدرسة في عهدها، يومها غنت الطالبات لها أغنية رائعة ظلت كلماتها وألحانها تتردد في مسامعي.

لقد كانت تستحق أكثر من ذلك فقد عاشت بيننا وكأنها قديسة وقدمت لبناتنا علما مفيدا نافعا كان لهن خير سلاح وعون في شق طريق حياتهن وذلل لهن الصعاب ورعتهن وربتهن تربية فاضلة كلها مكارم الأخلاق وحتى بعد أن غادرت المدرسة فان اسمها ظل رمزا من رموز المكان وارتبط بالمدرسة واسمها وخريجيها من البنات وكل حجر وزاوية وقطعة في المدرسة تنطق باسمها العزيز الذي ظل يتردد على لسان الطالبات وكأنه أغنية جميلة تطرب لها الأسماع وسيرة حسنة تبعث السعادة في نفوس المستمعين.

رحم الله السير حلو واسكنها فسيح جناته وجعل لنا في ذكراها العزيزة نبراسا ونموذجا للعطاء الذي لا يعرف الحدود فسلام عليك يوم جئت من الناصرة ويوم عشت بيننا ويوم غادرت ويوم انتقلت الى الرفيق الأعلى خير رفيق.

التعليق