خيارات متنوعة للهجات العربية في أشكال استخدام حرف القاف

تم نشره في السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008. 09:00 صباحاً
  • خيارات متنوعة للهجات العربية في أشكال استخدام حرف القاف

عمّان- الغد- لم يختبر العرب حرفا أبجديا كثير التبدل أثناء النطق به، كما الحال في حرف القاف الذي يأتي على كثير من الصور، وبحسب المناطقة والبيئة.

ومنذ صغره، درج عيد أبو تايه، المتحدرة أصوله من منطقة الجفر القريبة للحدود السعودية، على نطق حرف القاف "جَ" (مصرية مفرغة مفخمة)، حتى بعد أن انتقل للعيش في العاصمة عمّان. يقول "ما بإمكاني التحرر من نطق حرف القاف بهذا الشكل، إذ تربيت على هذا الاستخدام، فكلنا في الجفر صغارا وكبارا ونساء ورجالا ننطقها بهذ الشكل".

ذات النقطة يشير إليها الأكاديمي الخمسيني أبو نادر الذي هُجّر من قريته الفلسطينية إثر نكسة العام 1967.

يقول "كنا جميعاً في القرية نقلب حرف القاف إلى "ك" (مخففة). اعتدنا على ذلك كلنا، إذ لم تكن تجد في قريتنا من يتحدث بغير هذه اللهجة بغض النظر عن عمره أو جنسه".

بيد أن رحلة المنفى الطويلة لأبي نادر أثّرت بشكل أو بآخر على نطق حرف القاف لديه، فبعد أن تنقل بين بلدان عدة منها الخليجية بات يلحظ زحف نطق حرف القاف من "ك" إلى "ج" (مصرية مفرغة). يقول "أشعر في لحظات بأن لهجتي مبعثرة ولا تتبع مكانا بعينه، إذ برغم نطقي حرف القاف "ك" بين أقاربي وفي بيتي، إلا أنني أجد ذاتي قد قلبتها تلقائيا إلى "ج" عند حديثي مع اللهجات العربية الأخرى".

حسن سلامة (46 عاماً) يضحك هو الآخر كلما سمع أبناءه الذين يعيشون في أميركا معه وهم يتحدثون الفلاحية وكأنهم لم يغادروا قريتهم الفلسطينية التي يميزها نطق حرف القاف "تش" بدلا من "ك" أو "ج"، فحسن لا ينطق كلمة "قلم" كمعظم الفلسطينيين "كلم" أو "جلم"، بل "تشلم"، التي يصر على التمسك بنطقها وغيرها من الكلمات بهذه الطريقة التي يربطها بالهوية المهددة.

الأمر نفسه تشير إليه الطالبة الجامعية ميرنا التي قدمت من المناطق الفلسطينية المحتلة العام 1948، إذ تقول ميرنا (21 عاماً) "إن اللغة العبرية التي تعد الرسمية في مناطقنا في فلسطين لم تستطع محو مفردات فلاحية صرفة من قاموسنا، والأهم أنها لم تتغلب على نطق حرف القاف كما كان يتلفظه أجدادانا"، وتسوق ميرنا مثالا على ذلك باستخدامها حتى اليوم مفردة "تشيلة" بدلاً من "كيلة" (وهي كأس معدنية كبيرة لشرب الماء).

تقول "برغم أن البعض يرى تناقضا بين هيئتي الغربية في اللباس وحديثي الفلاحي الذي يميزه نطق "تش" بدلا من القاف، إلا أنني أرى في ذلك وفاء للهجتنا القديمة التي تحدثها أجدادنا".

يعلق على ما سبق دكتور اللغة العربية إسماعيل عمايرة، الذي يعتبر حرف القاف علامة فارقة في اللهجات العربية. يقول "ورد قديماً أنه كان للقاف شكلان من النطق في منطقة الجزيرة العربية، إذ كان البعض ينطقها قافاً (تقليدية)، فيما آخرون كانوا يلفظونها ج (مصرية مفرغة)".

بيد أن عمايرة يعاود القول "أما حسب اعتقادي، فالقاف كانت تُنطق منذ القدم (كَ) كما بعض قرى فلسطين الشمالية التي ما زالت تنطقها كذلك حتى الآن، إذ هي بهذا الشكل تشبه اللهجة اليمنية التي أعتقد أنها كانت هي السائدة".

ويرى عمايرة أن حروفاً أخرى دخلت على خط القاف ونطقه، كالهمزة التي يستبدلها كثيرون بالقاف عندما يقولون مثلاً "عربي أُح" بدلاً من "عربي قح"، وهي لهجة أهل المدن ، فيما آخرون يقلبونها إلى "ك" كبعض قرى فلسطين التي تقول "أُكعد" بدلاً من "أُقعد"، أو "ج" (مصرية مفرغة) كاللهجة البدوية الأردنية والخليجية وبعض قرى الخليل وغزة التي تقول "أجعد" (مصرية مفرغة)، أو إلى "غ" كبعض قرى الشمال الفلسطيني التي تقول "مش غادرة" بدلاً من "مش قادرة".

ويعلل عمايرة هذا التباين في اللهجات، الذي ظهر في نطق حرف القاف خصوصاً، بأسباب عدة منها أن "فلسطين والأردن كانتا مناطق هجرة للعديد من القبائل التي ما زالت آثار لهجاتها ماثلة حتى الآن، إلى جانب عوامل أخرى منها النكبة الفلسطينية ولجوء العديد من الفلسطينيين بلهجاتهم المتنوعة إلى الأردن وإلى دول أخرى مجاورة".

ويضيف عمايرة "احتكاك العربية بلغات قديمة وحديثة كان له أثر كبير أيضا، فقديما كانت الفارسية والتركية وغيرهما، وحديثا الإنجليزية والفرنسية وغيرهما مما غير في كيفية نطق بعض الحروف العربية على مدار التاريخ، إذ تقلبت أقوام وحضارات عدة على هذه المنطقة ما أثرى لهجاتها".

ويضيف دكتور اللغة العربية يوسف ربابعة إلى هذه العوامل ثلاثة عوامل أخرى جعلت من حرف القاف خصوصاً مسرحاً للتنوعات اللفظية، ومنها أن "تنوعات الصوت في نطق حرف القاف لا تغير من معنى الكلمة المستخدم بها، اذ نعلم جميعاً أن قم هي ذاتها "كوم" و"تشوم" و"جوم" (مصرية مفرغة). إلى جانب أن هذا الحرف يُطبّق عليه كثيراً مبدأ الجهد اللغوي الذي يؤدي إلى ترقيقه بدلاً من نطقه مفخماً كما في حالة قلبه إلى "ك" أو "كَ" في "كلم" أو"كَلَم" بدلاً من قلم".

ويكمل ربابعة "كما أن هذا الحرف ارتبط بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي، فأهل المدينة ينطقونه "أ" فيما أهالي القرى "ك" أو "كَ" أو "ج" (مصرية مفرغة) التي ينطقها أهل البادية أيضاً، فكان أن تحول كثيرون من نطقها بكل تلك الأشكال الفلاحية والبدوية عندما جاؤوا إلى المدن، فيما آخرون أصروا على بقائها قافاً تقليدية كبعض قرى فلسطين وسورية".

"يندرج هذا الموضوع تحت بند فقه اللغة. ومعروف عن العربية أنها بسبعة ألسن تتبع قبائل هذيل وقريش وربيعة و قباعة والأزد... وقد تحدث عنها القرآن والسنة النبوية" يقول خبير التراث نايف النوايسة.

ويزيد "يعد حرف القاف من حروف القلقلة التي ترتبط بعلاقات صوتية بين الشفتين والأسنان، لذا يتباين تبعا للمنطقة التي تستعمله، فالسودان مثلا تقلب القاف إلى الغين وهي من أصح حالات نطق العربية كما في اليمن التي تنطقه قافا مخففة".

وعن آثار اللهجات المختلفة على المجتمع الأردني يقول النوايسة "حمل اللاجئون الفلسطينيون معهم لهجات مختلفة ما أثر في خريطة الألسن، إلى جانب اللهجات الحجازية والصحراوية السينائية والعراقية واليمنية، بيد أن اللهجات الفلسطينية تعد من أكثرها تأثيرا".

ويضيف النوايسة إلى ذلك عاملا آخر يتمثل في "تيسير الحياة المدنية والاقتصادية وخصوصا في الأسواق، فالتعاملات اليومية والتجارية لا تحتمل تفخيما للحروف بل ترقيق لها، لذا استبدل كثيرون لهجتهم الفلاحية والبدوية بالمدنية التي يميزها نطق "أ" كما هو الدارج حاليا".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القاف الأردنية (محمد عبد السلام)

    السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008.
    هي القاف الأردنية وليس الجيم المصرية، أتمنى تصحيح المصطلح، وبالمناسبة يروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يلفظ القاف بالطريقة التي نلفظها نحن الأردنيون.
  • »القاف الأردنية (محمد عبد السلام)

    السبت 6 أيلول / سبتمبر 2008.
    هي القاف الأردنية وليس الجيم المصرية، أتمنى تصحيح المصطلح، وبالمناسبة يروى عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يلفظ القاف بالطريقة التي نلفظها نحن الأردنيون.