الناصرة: بشارة طالعة من سحر المدى في مرج ابن عامر

تم نشره في السبت 16 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً
  • الناصرة: بشارة طالعة من سحر المدى في مرج ابن عامر

 محمد جميل خضر

الناصرة- عبر الطريق التي يمتد عن يمينها كالسحر والخصب الوديع، مرج ابن عامر، تجلى شموخ الناصرة.

وظهرت من بعيد ملامح خضرتها وسمو بهائها. وبدت مع أول الصعود إلى الجبل الذي يحتضنها، تنكشف أول مفردات كنيسة البشارة الصاعدة نحو الأعالي بما يزف الخير والمحبة والتسامح للناس أجمعين.

وبين أيقونات البشارة وأعمدتها وجدرانها يبرز واضحا انصهار الفنين الأوروبي والعربي في صناعة العمارة المسيحية في البلدان العربية، وهو ما يتجلى ليس فقط في كنيسة البشارة التي تحظى كما تشير جدرانها الخارجية واللوحات/ الهدايا المعلقة عليها، باهتمام عالمي خصوصا من إيطاليا ودول أميركا اللاتينية، ولكن أيضا في كثير من كنائس الشرق العربي.

وبخشوع داخل فضاءات البشارة ذوّب اختلاف الأديان، سألني السائق خالد مشعل (رفيقي في رحلة الشمال الفلسطيني وصولا إلى معبر وادي الأردن)، هل سمعت عن مشكلة المسجد الأبيض؟ لم أكن أرغب بسماع القصة المؤلمة مرة أخرى، فاقترحت عليه الأكل بعد سفر وجوع ودهشة لا تموت من جمال قرى المثلث وأم الفحم والطيبة وكفر كنا (قانا الجليل) والسهل الذي لم يفارق امتداده الساحر بالخضرة والأناقة والبهاء خاطري، وربما لن يفعل ما بقيت حيا.

وفي (مطعم أبو علي) الذي أصر على وضع يافطة باللغة العربية فقط على باب مطعمه "وليشرب المحتجون البحر" كما أجاب متحديا عن سؤال لماذا؟ كان الجو مفعما بكل ما هو جميل، حسن الضيافة، ولذاذة الأكل الناصري المطهو بنفس طيبة وصدق وإخلاص وكرم عظيم.

ولم أكد أطلب الماء حتى أحضره أبو علي شخصيا بإبريق زجاجي جميل، وهو ماء عذب مثل كل مياه فلسطين، وخارج حسبة الطعام وكلفته، رغم أن المطعم مصنف ومجهز بأحدث الديكورات.

وليس الماء وحده الذي كان خارج الحساب، بل سبعة صحون مقبلات مليئات بالأطايب.

كتابة الأسماء والعناوين باللغة العربية فقط، ظاهرة لم تقتصر على مطعم أبو علي وكثير من محلات الناصرة، بل تشمل كثيرا من مدن وقرى الشمال الفلسطيني الذي يعيش الآن عودة قوية ومتعددة الوجوه لجذوره العربية. وهي بالتأكيد عودة لها أسبابها العديدة والمفهومة، رغم عتب سامر الذي يعمل في مول تسوق كبير على نسيان العرب للفلسطينيين الذين رفضوا مغادرة مدنهم وقراهم أيام حدوث أكبر عملية ترحيل في الدنيا إبان نكبة عام 1948.

والناصرة هي أكبر مدن منطقة الجليل في فلسطين المحتلة. وتعد المدينة مركزا إداريا وثقافيا والمركز الرئيسي لفلسطينيي الداخل. في الناصرة، بحسب الانجيل، بشر الملاك جبرائيل السيدة مريم العذراء بولادة يسوع المسيح فنشأ السيد المسيح فيها وعاش غالبية سنين حياته فنُسِبَ اليها ودعي يسوع الناصري ويدعو البعض اتباعه نصارى.

منذ عرفت الناصرة في التاريخ لم يتغير اسمها وما تزال تدعى الناصرة. ويرى بعض المفسّرين المسيحيين ان هذا يتلاءم مع الاية في نبوؤة اشعياء وذلك من أجل دعم رأيهم القائل إن المسيح هو من بيت داود. بينما يقول البعض ان المعنى هو الحارس وان الاسم مأخوذ من جبل النبي ساعين الواقف فوقها كالحارس (او الناطور) او من كون الناصرة على جبل يشرف على مرج ابن عامر ويرجح البعض هذا التفسير قائلين ان كلمة ناصر بالعربية تعني الجبل الذي علوه ميل. ويذهب البعض بقولهم ان اسمها مشتق من كلمة تعني الحقيقة معتمدين على ذكر ذلك في إنجيل منحول. على أي حال فإن الاسم ليس مشتقا من نذير (ضرب من النساك اليهود) اذ يختلف الجذر في العبرية (كما العربية) وقد حدث هذا الالتباس لتشابه الجذر في اللغات الغربية.

مدينة الناصرة مدينة قديمة، عُرفت وسُكنت منذ القدم على الرغم من مرورها بفترات زمنية لم تكن فيها ذات أهمية كبيرة، ولم يرد ذكر لها في كتب العهد القديم أو المصادر الأدبية، ولكن هذا لا يعني أنها عرفت وسكنت فقط في العهد الجديد وبعد ميلاد السيد المسيح. إذ أن الحفريات الأثرية دلت على أن الناصرة كانت مسكونة في العصر البرونزي المتوسط وفي العصر الحديدي. ورد أول ذكر للناصرة في الإنجيل، ففيها ولِدت مريم العذراء وبشرت بالمسيح، وفيها نشأ السيد المسيح وقضى معظم حياته، ومن هنا بدأت أهمية هذه المدينة في التاريخ، وأصبح اسمها يرد كثيرا بعد ذلك في الكتب والمؤلفات.

في عام 404 ميلادي زارت القديسة الغنية (باولا) مدينة الناصرة وقالت عنها "ذهبنا إلى الناصرة التي كان اسمها زهرة الجليل". وتشير الحفريات إلى أن أول كنيسة في الناصرة هي كنيسة البشارة، وكان ذلك عام 450 ميلادي.

دخلت المدينة في حوزة العرب المسلمين عام 634، على يد القائد شرحبيل بن حسنة فاتح شمال فلسطين، وكانت تابعة لجند الأردن الذي كانت قاعدته طبرية، ويذكر البعض أن الناصرة لم يرد لها أي ذكر بعد الفتوحات الإسلامية، فلم تذكر في الكتب الأدبية والمؤلفات، ولكن الصحيح غير ذلك، فقد ذكرت كثيرا عند الجغرافيين والمؤرخين العرب، إذ ذكرها اليعقوبي في القرن التاسع الميلادي، والمسعودي في الحادي عشر، والهروي في الثاني عشر، كما ذكرها أيضا ابن شداد في القرن الميلادي الثالث عشر، وياقوت في الرابع عشر، والقلقشندي في الخامس عشر. وقد لمع اسم هذه المدينة أيام إبراهيم باشا وظاهر العمر وأحمد باشا الجزار وسليمان باشا وعبد الله باشا.

تقع الناصرة في قلب الجليل الادنى على سفح جبل يرتفع عن سطح البحر نحو 400 متر. تحيط بها سلسلة جبال مرتفعة هي جزء من جبال الجليل الادنى فتطل على مرج ابن عامر من الشمال. تبعد حوالي 24 كيلومترا عن بحيرة طبريا وتسعة كيلومترات عن جبل الطور. وقد كان لموقعها الجغرافي أهمية منذ القدم فكانت طرق فرعية تصلها بالطرق الرئيسية التي تربط بين سورية ومصر من جهة وبين الأردن وفلسطين من جهة اخرى. وكانت القوافل التجارية تعرّج عليها أثناء مرورها في مرج ابن عامر.

يبلغ عدد سكان المدينة حوالي 64.5 ألف نسمة جلّهم من العرب الفلسطينيين ذوي الجنسية الاسرائيلية. تشير التقديرات إلى أن 70% منهم مسلمون والباقي مسيحيون. تعتبر الناصرة مركزا تجاريا مهما لمدن وقرى منطقة الجليل.

اعتمد سكان القضاء قديما وحديثا على مدينة الناصرة في تلبية احتياجاتهم، وكان لا بد لهذه المدينة من توفير مثل تلك الاحتياجات، فنمت وازدهرت وجد أهلها في العمل، حيث اشتغل قسم منهم بزراعة الأشجار المثمرة والخضراوات، كما راجت أعمال التجارة فيها وكانت تمثل السوق الرئيسة لعشرات القرى، التي تبيع ما تنتجه فيها وتبتاع منها كل ما تحتاجه، كما ازدهرت كذلك الصناعات الخفيفة مثل أعمال التجارة والحدادة والدباغة والخياطة والصباغة وأعمال البناء والهدايا التذكارية من سجاد ونحاس وخشب محفور، كما اشتهرت نساء الناصرة بأشغال الإبرة. وفي الناصرة معاصر للزيتون والسمسم لاستخراج الزيت والطحينة، وفيها مصانع للصابون.

كان يوجد في مدينة الناصرة في بداية القرن العشرين ثلاث مدارس، واحدة في قرية سولم والثانية في قرية اندور بالاشتراك مع قرية نين أما الثالثة فكانت في قرية الناعورة بالاشتراك مع قرية تمرة، وارتفع عدد المدارس ليصل إلى 14 مدرسة في العام 1937 / 1938، منها مدرسة للبنين ومدرستان للبنات، كما هناك دار المعلمين الروسية، وازدهرت الحياة العلمية بعد إنشاء المدارس، وقد دخلت أول مطبعة لمدينة الناصرة عام 1923، مما ساعد على ازدهار الحركة الثقافية فيها.

التعليق