أربع صحف يومية وأسبوعية وعشرات الأطباء والمحامين والمهندسين قبل النكبة

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً
  • أربع صحف يومية وأسبوعية وعشرات الأطباء والمحامين والمهندسين قبل النكبة

مفكرة سنوية صادرة في فلسطين عام 1947

محمد جميل خضر

عمان- منذ 61 عاما يتناقل معنيون من فلسطين والأردن نسخة من "المفكرة اليومية العربية" الصادرة عام 1947 عن شركة النشر المتحدة للشرق الاوسط وهي شركة عربية مساهمة واظبت على اصدار هذه المفكرة على مدى سنوات حتى احتلال فلسطين في العام 1948، عام النكبة وإعلان دولة اسرائيل.

وتكشف المفكرة بأوراقها المعتقة الصفراء ومحتوياتها وإعلاناتها ويومياتها، حقائق، وتقدم ارقاما وقرائن ان فلسطين لم تكن ارضا بلا شعب عندما استباحت عصابات صهيونية قادمة من مختلف جهات الارض مدنها وقراها، واحتلت حاضرها ومستقبلها محاوِلة السطو حتى على تاريخها.

ومنذ الصفحة الاولى في المفكرة التي وصلت عام 1979 (من ضمن من وصلت اليهم) الى غازي خطاب، يظهر الحس العربي واضحا، وتبرز المهنية (رغم ضحالة الخبرة المتعلقة بهذا النوع من الاصدارات في ذلك الوقت)، كما تتجلى بشكل لا لبس فيه العلاقة الخاصة والتاريخية بين الاردن وفلسطين، فقد ورد في كلمة الناشرين ما يؤكد ذلك ويعززه (وللمرة الاولى في تاريخ فلسطين العربية، تقدم شركة عربية على اصدار مفكرة عربية يومية، بعد ان كان ذلك وحتى الآن، وقفا على غير العرب، الامر الذي كان موضع دراستنا، فأقدمنا على اصدار هذه المفكرة، معتمدين على ما في بلادنا العربية العزيزة من روح اليقظة والتنبه، والاقبال على القيام بالمشاريع المختلفة التي كانت وقفا على الاجانب، من غير العرب، وواثقين كذلك من مؤازرة وتأييد عملائنا وزبائننا العرب في فلسطين والمملكة الاردنية الهاشمية الذين آزروا مؤازرة محمودة مشكورة، جميع المشاريع التي قامت بها شركة النشر المتحدة للشرق الاوسط".

كما يرد اسم الأردن (أو شرقي الأردن) في كثير من المناسبات داخل المفكرة، وفي معظم إعلاناتها وعناوين البنوك والشركات وما إلى ذلك فيها.

وبسبب الفترة الزمنية التي صدرت فيها المفكرة وهي الفترة الحساسة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء من جهة (الناتو)، والاتحاد السوفييتي آنذاك من جهة اخرى (حلف وارسو) على المانيا النازية، وبداية انتشار شعارات الثورة الاشتراكية والقومية، وإنْ بدرجة اقل مما حدث بعد ذلك أواخر خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته، فقد حملت اعلانات الصحف في المفكرة، شعارات من هذا القبيل، وهو ما كانت تفعله جريدة "الاتحاد"، فقد ورد في الاعلان عنها داخل صفحات المفكرة ما يلي:

"الاتحاد، جريدة العمال العرب في فلسطين، تصدرها وتديرها وتحررها اللجنة التنفيذية لمؤتمر العمال العرب في يافا"، ومما هو مكتوب كذلك عن الجريدة "الاتحاد لسان حال الطبقات الشعبية المناضلة، جريدة الشعب الكادح والجماهير الواعية، طالعوا الاتحاد كل يوم احد لتقفوا على الرأي الصائب والفكرة النيرة في الشؤون العامة لشعبنا المناضل".

وفي اتجاه آخر كانت تسير جريدة "الدفاع" اليومية التي تأسست في يافا سنة 1934، حيث اكتفى الاعلان عنها في صفحات المفكرة الاولى بالقول "الدفاع، جريدة يومية سياسية مصورة، اوسع الجرائد العربية انتشارا وأرفعها مستوى".

وبحسب إعلان آخر داخل صفحات المفكرة، فإن جريدة "الوحدة" لأصحابها اميل الغوري واسحق عبدالسلام الحسيني وخيري حماد وعمر الحسيني، كانت هي الجريدة العربية اليومية الوحيدة التي تصدر في القدس.

وظهرت في سياق متواصل جريدة "فلسطين" التي كانت تصدر مثل معظم الصحف الاخرى في يافا، كجريدة شعبية ليبرالية بعيدة الى حد ما عن السياسة، كما توحي كلمات الاعلان عنها في المفكرة "الجريدة الشعبية التي يقرأها بانتظام كل مفكر وتاجر وأديب وموظف وصاحب مهنة ويجد فيها ما يستفيد منه وما يدخل الى نفسه السرور والارتياح".

ورغم انها صدرت بعد انتهاء الحكم العثماني بزمن ليس بقليل، الا ان القرون الطويلة من الثقافة والسيادة التركية ظهرت واضحة في بعض صفحات المفكرة، مثل الاعلان عن البنك العثماني الذي تأسس عام 1863 برأس مال مصرح بلغت قيمته وقتها عشرة ملايين جنيه، وبفروع منتشرة في القدس ويافا وحيفا ونابلس وتل ابيب وعمّان.

وأيضا الاعلان عن محلات متخصصة بالملابس التركية وكذلك السجائر التي كتب أثناء الترويج لها عبارة "السجاير التركية الحقيقية، شهرتها عالمية ومعروضة للبيع في جميع انحاء فلسطين" ومن اصناف هذه السجائر "جوبي كلوب، سركل دوريان، سركل يسفور يالوه، نيجه واكسترا اكسترا".

وبحسب المفكرة، التي حملت بعض اعلاناتها طرافة في طريقة العرض والترويج، فإن في فلسطين قبل عام النكبة 16 بنكا بواقع اربعة في كل من القدس ويافا وحيفا ونابلس، وفيها عشرات الدوائر الحكومية (ايضا في القدس ويافا وحيفا)، ومثلها من المجالس والهيئات غير الحكومية.

وفي القدس وحدها كان هناك 11 كلية مدرسية ومتوسطة وجامعية.

وكان في فلسطين 134 طبيبا في القدس ويافا وحيفا فقط، علما بأن مصدري المفكرة وضعوا بعد استعراض اسماء الاطباء ملاحظة مفادها ان هناك "عددا وافرا من الاطباء العرب في فلسطين لم يكن بالامكان بالنظر لضيق الوقت، الحصول على اسمائهم وعناوينهم لنشرها في هذه المفكرة".

وفيها 13 مستشفى، سبع في القدس وخمس في يافا واثنتان في حيفا، و40 صيدلية العدد الاكبر منها كان في يافا، و119 محاميا 59 منهم في القدس وحدها و48 مهندسا في القدس ويافا وحيفا فقط، وهي المدن الثلاث التي استطاعت المفكرة قبل اصدارها (على ما يبدو) حصر المهن الموجودة فيها وإجراء احصائيات لعدد اطبائها ومحاميها ومهندسيها وصيدلياتها ومستشفياتها وما الى ذلك.

الطريف في الاعلانات المنثورة فوق صفحات المفكرة، احتواؤها على صيغة امر في كثير منها بما لا يتناسب مع الهدف التجاري الاستثماري من وراء الاعلان الساعي (كما يُفترض) الى دغدغة مشاعر المستهلك واللعب معه على وتر الترغيب والتشجيع على الشراء لا استخدام اسلوب الترهيب كما في اعلان وضعته المفكرة نفسها لتحث الناس والمستثمرين على الاعلان في صفحاتها "انت تعلم جيدا ان الربح الوفير لا يأتي الا عن طريق الشهرة، اعلانك يجعل منك ومن تجارتك منارا عاليا، اياك ان تهمل الدعاية والاعلان لأعمالك".

أو كما الاعلان عن جريدة "الاتحاد" حيث يَرِدُ في جزء منه (وهو بالمناسبة اعلان طويل يخلو من اي صورة) "حاذر ان تفوتك قراءة "الاتحاد" دائما".

التعليق