"أنا لحبيبي": مقترحات النص المفتوح على وقع أقدام ممثل وحيد

تم نشره في الخميس 14 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً
  • "أنا لحبيبي": مقترحات النص المفتوح على وقع أقدام ممثل وحيد

المسرحية تختتم عروضها على مسرح المركز الثقافي الملكي

 محمد جميل خضر

عمان- كما ينبغي أن يحدث دائما، كان الشاعر محمود درويش الذي غادرنا إلى غير عودة قبل أيام فجأة، حاضرا في مسرحية "أنا لحبيبي" التي اختتمت عروضها الثلاثة (المباعة إلى وزارة الثقافة) مساء أمس على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي.

وتمثل حضور صاحب "سرير الغريبة" في مشهدين؛ الأول عندما أوقد مخرج المسرحية غنام غنام ومعدها وكاتب نصها بالاستفادة من نص البولندي إندجي  ماليشكا وعطيل شكسبير، قبيل بدء العرض شمعة على روح الشاعر الراحل، والثاني عندما تضمن الحوار الذاتي (المونولوج) لممثل العمل الوحيد خالد الطريفي، اقتباسا من أشعار درويش: "في البيت أجلس لا حزيناً ولا سعيداً، لا أنا أو لا أحد. (هل كان درويش يكتب عني دون أن يعرفني؟!!) كسل خفيف الوزن يطهو قهوتي، والهال يصهل في الهواء وفي الجسد، وكأنني وحدي، أنا هو أو أنا الثاني، رآني وأطمأن على نهاري وابتعد. في البيت أجلس لا سعيداً لا حزيناً،  بين بين، ولا ابالي إن علمت بأنني حقاً أنا أو لا أحد".

وعلى وقع ثلاث ضربات من قدمه اليمنى، وصوت مناداته على ديدمونته، تحركت فضاءات العرض الذي ولج (بحسب مخرجه) مواطن شائكة في بناء النفس والعرض المسرحي، مشاكسة المستقر في الذائقة وما عرف في بناء الخط الدرامي من خلال نص مفتوح يتكون من ستة مشاهد، يشكل كل منها مشهداً مكتملاً من يوميات الشخص ذاته، كما تذهب على صعيد النص إلى التقاطع والارتكاز على ثلاثية (عطيل شكسبير وماجدة والمائدة لماليشكا، وما رواه غنام عن ممثله).

ولا يخفى (في سياق متواصل) النَفًس التجريبي في المقترح الدرامي الأدائي الذي يقدمه ثنائي العرض: غنام مخرجا ومعدا وكاتبا والطريفي ممثلا وحيدا متنوع الأداء ورشيق التنقل من مستوى أدائي تعبيري دلالي وحتى جسدي إلى آخر.

وكما يفعل دائما، برز مصمم الإضاءة محمد مراشدة كتقني مستوعب لدلالات العرض المسرحي وقادر على خلق معادلة موضوعية من نقاط الإضاءة ومعادلات توزيعها، منسجمة مع معطيات النص ومخرجات الوعي الإخراجي له.

وبأقل قدر ممكن من الموسيقى، يواصل الطريفي حوارا مفتوحا مع ديدمونته المفترضة، ومع تاريخه الشخصي، وأحلامه بأداء دور عطيل.

وعلى صعيد الديكور ومؤثثات العرض المسرحي، اجمتعت فوق الخشبة مستلزمات الأيقونة كاملة، الصليب في عمق المسرح عبر مقاربة تعليق جاكيتة الممثل، المذبح الشفاف (كما مختلف مفردات الديكور والاكسسوار) ولحظة المناولة المتدلية من سقف المسرح المخفي، وفي الظلال ظلال وانعكاسات ضوء وصدى أصوات وأقواس حلم لا ينتهي.

وبقي كابوس قتل ديدمونة (الخائنة) يشكل مصدر قلق جوهري لمنعكسات نفسية الشخص (الممثل) مجهول الهوية، الحائر بين عطيل والأب الحاني والزوج المجروح، المعتزل فلا يطيق أي طرق على الأبواب، الوحيد بلا أصدقاء، العاري مثل الحقيقة الجارحة.

ولم يعدم الطريفي رشاقة، قاوم عبرها معضلة الوزن، وشكّل جسده حسب معطيات المشهد، وتكوّر على نفسه، وركض ورقص وغنى (شكّلت أغنية فيروز أنا لحبيبي وحبيبي إلي/ يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي لازمة كلامية رمزية طوال العرض وعلى مدى مشاهده)، وجاب الخشبة طولا وعرضا، دون الوصول إلى مبالغة منفرة (أوفر).

ولأن المخرج في وعي الطريفي ظل حاضرا، فقد جاءت معظم حركاته فوق الخشبة مدروسة فيما يتعلق بالمسافات ومفهوم التوازن والتناظر ورسم خطوط متوازية أو متقاطعة أو دائرية منحنية غير مستقيمة بحسب حاجة المشهد.

وفي سياق دفاعه عن روح المسرح والبوح بالعلاقة الحميمة العميقة معه، جاء رد الشخص المولع بالمسرح على فعل طرده والاستغناء عنه من قبل المخرج المفترض في واحد من مشاهد المسرحية المونودرامية مؤثرا:

"إنه مسرحي أنا، كل زاوية فيه لي أنا، كل شبر في خشبته لي أنا، أنا من غفوت على مقاعده بانتظار بدء التمارين أنا، أنا من كنست خشبته أكثر مما يكنسه المكلفون بالنظافة أنا، لي في خزائن الملابس ثياب تبللت بعرقي أنا، ولي في عتاقة جدرانه نصيب من عمري أنا، أنفاسي فيه، ارتعاد بدني رهبةً قبل بدء العرض فيه، ونشوة الروح المدثرة بلهاث التعب بعد انتهاء العرض وهي ترقص على نغمات تصفيق الجمهور فيه. من أنت حتى تقول عنه مسرحك؟؟".

وكانت "أنا لحبيبي" قدمت عروضها أول مرة مطلع العام الماضي في إمارة الفجيرة ضمن فعاليات مهرجان المونودراما الدولي الذي تقيمه إمارة الفجيرة مرة كل عامين.

وتلقت المسرحية خلال مشاركتها في مهرجان الفجيرة في دورته الثالثة خمس دعوات من السودان وأوكرانيا وأستونيا وألمانيا وأرمينيا، ولم يتسن للمخرج غنام والفنان الطريفي تلبية أي من هذه الدعوات كون العمل أنتج ذاتيا مائة بالمائة، ولم تتصد جهة ما لمسألة تمويل المشاركات الخارجية للمسرحية.

وشهد التعاون بين غنام والطريفي تقدما ملحوظا في الأشهر الأخيرة، وتمثل مونودراما "أنا لحبيبي" ثالث تعاون بينهم، بعد تمثيل غنام في مسرحيتين متتاليتين من إخراج الطريفي: "ملحمة فرج الله" و"ضحك وجد ودم ولعب".

التعليق