صخب لبناني بعيدا عن السياسية

تم نشره في الاثنين 4 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً

بيروت - من يتابع احتشاد الناس في ساحات المهرجانات المتعددة التي يشهدها لبنان يظن نفسه في مكان يسود فيه الاستقرار منذ فترة طويلة.

فبين مهرجانات بيت الدين ومهرجانات بعلبك ومهرجانات بيبلوس يتوزع الآلاف كل ليلة على أنغام فنانين عالميين خرقوا بدورهم الحذر وجاؤوا الى لبنان بينهم فايا كونديوس وجيلبرتو جيل وميكا وغيرهم.

اللهفة على تلك المهرجانات بدت مضاعفة لانها عادت بعد عامين من التوقف. توقف سببه الحرب الاسرائيلية على لبنان في صيف العام 2006  والازمة السياسية التي تلتها والتي تفجرت في الشارع حربا اهلية مصغرة في ايار/ مايو الماضي كادت ان تنفلت لولا التدخل الخارجي الذي انتهى الى اتفاق الدوحة.

الا ان القائمين على تلك المهرجانات قرروا جمع جمهورهم خارج الاماكن الاثرية في بيت الدين وبعلبك التي تقام فيها عادة. وحددوا ساحة الشهداء في بيروت مكانا لحفلة الفنان العالمي المولود في لبنان من ام لبنانية "ميكا"، ليكون هذا الحفل إعلانا بعودة الحياة الى بيروت من خلال حفل اريد له ان يكون ضخما وحظي بتغطية اعلامية دولية كبيرة.  

ساحة الشهداء امتلأت بالآلاف، بعضهم تعرف على اغاني ميكا وبعضهم الآخر لم يعرفه من قبل لكنه يريد ان يشارك في مظاهر الحياة التي تعيشها بيروت بعد ما شهدته مؤخرا من حروب احياء.

وبعد ان كان وسط  المدينة مقفلا لاكثر من عام ونصف بفعل أسوأ ازمة ساسية يعرفها لبنان منذ انتهاء الحرب الاهلية.

تقول سناء وهي صحافية جاءت ترصد مزاج الناس وتفاعلهم ان هذه الساحة "هي شاهد على كل ما مر به لبنان مؤخرا. فمنذ مدة وقف فيها جمهور هتف: لبيك يا نصر الله! وقبلها وقف جمهور آخر وهتف بطول عمر الجنرال عندما عاد ميشال عون من منفاه الباريسي. وقبلها هتف الناس هنا لرفيق الحريري عند اغتياله. وبعدها تجمعوا للمطالبة بخروج سورية".

هنا ايضا وقف جبران تويني وتحدث عن وحدة المسلمين والمسيحيين.

واليوم يجتمع الآلاف من اعمار مختلفة يتمايلون بأجسادهم من دون شعارات، يرفعون ايديهم ملوحين لميكا، بعضهم حفظ اغانيه وبعضهم لم يتعرف اليه من قبل وجاء يكتشف، وكأنهم يقولون له "لبيك ميكا نريد ان نعيش بسلام".

كان الآلاف وقوفا وكان عشرات الشباب في حلقات خارج اسوار الحفل لان شراء البطاقات كان متعذرا عليهم لارتفاع اسعارها.

ولكن الساحة كبيرة جدا ومتابعة ما يجري من خارج الاحتفال ممكنة.

بين هؤلاء وقف رامي مع اثنين من رفاقه وبادرنا الى القول انه أتى من بعيد ليفرح بمظاهر عودة الحياة الى طبيعتها لكنه غير مقتنع ان ما يجري هو نهاية مرحلة، لان النفوس لم تهدأ بعد والمصالحات لم تتم.

قال انه رأى اصدقاء له من الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الأكثرية الشيعية ومن طريق الجديدة ذات الأكثرية السنية يشاركون في الحفل وهم ما يزالون على استعداد لاستئناف القتال لانهم معبأون مذهبيا، قالها ضاحكا واشار الى انه هو ايضا يستنفره انتماؤه المذهبي "لان الطرف الآخر يريد ان يمحيه".

في الحلقة شاب لبناني يقيم في كندا أتى لتمضية الصيف في لبنان. قال معلقا انه رتب مجيئه مباشرة بعد اتفاق الدوحة لكنه لم يشعر لدى من التقاهم ان هنالك قناعة ان حالة الهدوء هذه دائمة "وكأن الناس فقدوا الثقة، ربما بضوء تجاربهم السابقة وربما بسبب تجدد الاشتباكات من حين لآخر".

انتهت الحرب المصغرة التي شهدتها بيروت باتفاق الدوحة لكن الخلاف والانقسام قائم.

ويبدو السياسيون الآن في مكان والناس في مكان آخر كأنهم قرروا الفصل وعدم المتابعة.

فحركة الملاحة الى بيروت كثيفة جدا والتوقعات بقدوم مليون ونصف مليون زائر تملأ الصحف.  

وكأن جمهور الاحزاب المتصارعة هو نفسه مل قبل غيره الاستنفار الذي وضع فيه منذ اكثر من عامين.

وبعدما كانت متابعة الناس للاخبار تتم دقيقة بدقيقة وقراءتهم للصحف كثيفة، واسئلتهم عن الاحتمالات لا تتوقف، تراجعت تلك المتابعة تعبيرا عن كلل او ملل.  

وخرج الناس الى حياتهم اليومية فعادت حياة المدن الليلية وبدت الايام عادية وسط زحمة المغتربين والسواح.

التعليق