الفيلم الإيراني "لون الفردوس" في شومان غدا

تم نشره في الاثنين 28 تموز / يوليو 2008. 09:00 صباحاً
  • الفيلم الإيراني "لون الفردوس" في شومان غدا

 

عمّان-الغد- يعرض في مؤسسة عبد الحميد شومان في السابعة من مساء الغد الفيلم الإيراني "لون الفردوس" وهو الفيلم الذي أخرجه ماجد ماجدي بعد فيلمه الشهير "أطفال الجنة".

يقدم "لون الفردوس" حكاية طفل ضرير في الثامنة من عمره في علاقته مع الحياة ومع والده وأفراد أسرته.

والفيلم، على شاكلة العديد من الأفلام الإيرانية المعاصرة والمهمة، التي تعتمد في حكاياتها على شخصيات الأطفال في الأدوار الرئيسية ،نحو في نتيجته النهائية نحو الترميز والتعميم بحيث تتجاوز الدلالات مصير الأطفال لتحيل إلى المجتمع ككل.

الطفل الضرير في هذا الفيلم هو ضرير فعلا يمثل لأول مرة، مثله مثل باقي شخصيات الفيلم، باستثناء شخصية الأب التي أداها ممثل مسرحي قدير.

يبدأ الفيلم بمشاهد ذات طابع توثيقي في مدرسة للعميان في العاصمة طهران نراهم فيها يتعلمون الكتابة بطريقة بريل، يستعدون للعطلة الصيفية، ينتظرون أهلهم القادمين لاصطحابهم. أحدهم، بطل الفيلم، يبقى وحيدا في انتظار والده الذي تأخر في الوصول.

تفتتح هذه البداية دراما الفيلم ويتبعها مشهد في منتهى الروعة. يجلس الطفل في حديقة المدرسة منتظرا والده الذي أكد له المشرف انه سيجيء حتما. فجأة يسمع الطفل صوت عصفور صغير وليد حديثا يدرك أنه وقع من عشه. يتلمس الضرير طريقه وسط أشجار ونباتات وأعشاب الحديقة مستخدما حاسة سمعه المرهفة، يسير بحثا عن مصدر الصوت، في طريقه يسمع صوت هرة تقترب، ينهرها مرارا وهي تراوغه إلى أن يطمئن لانسحابها، ثم يتابع بحثه، ينحني ويركع ويداه تتلمس مكان العصفور بين أوراق الشجر الواقعة على الأرض، يلتقط العصفور بحنان، يتلمس طريقه نحو شجرة يستريح العش فوق أحد جذوعها ويتسلقها.

يضع العصفور في العش إلى جانب عصفور آخر مثله. ثم يعود أدراجه إلى المقعد لينتظر والده.

بعد ذلك تبدأ الحكاية.

الوالد عامل أرمل تعيس في حياته التي أمضاها في شقاء، يعمل في الغابة في معمل للفحم، يعيش مع والدته العجوز المليئة بالعافية والمحبة ومع ابنتيه الصغيرتين في عمر الزهور في منطقة يعمها جمال الطبيعة الشاسعة بحقولها الخضراء وورودها المتنوعة الزاهية الألوان بما يجعل منها فردوسا أرضيا.

يشعر الوالد ان ابنه الضرير عبء عليه لا يقدر على العناية به فيما هو نفسه بحاجة لزوجة تعتني به. في البدء، عندما يصل الوالد إلى المدرسة لاصطحاب ابنه يحاول إقناع الإدارة إبقاءه فيها طوال فترة العطلة، وفي القرية يبحث عن وسيلة للتخلص منه فيرسله بعيدا لتعلم مهنة النجارة عند نجار شاب ضرير بدوره، لكن غضب الجدة يجعله يعود به ثانية للقرية.

يخطب الوالد فتاة في قرية مجاورة ولكن، وقبل موعد الزواج يغير أهلها رأيهم ويعيدون له هداياه، تتكثف أزمة الأب ويقرر في لحظة ما التخلص من ابنه الضرير نهائيا. في طريق عودته مع ابنه يتحايل الأب عليه فيهرب ويتركه وحيدا تائها وسط الغابة. لكن صحوة ضمير تجعله يعود أدراجه ليصحب ابنه الغافل عما حصل معه.

يشكل مشهد النهاية المذهل بروعته ذروة الفيلم. يمر الاثنان ومعهما حصان، في طريق عودتهما فوق جسر قديم يجري من تحته نهر هادر، يسقط الحصان وكذلك الوالد والولد الضرير في النهر ويجرفهم التيار.

يصور المخرج هذا المشهد المليء بالإثارة والقسوة بكل براعة ويبرع الأب والابن بدورهما، في أدائه وهما يصارعان، كل في موقع مختلف، قسوة المياه الجارفة التي يحاول الأب عبثا مقاومتها للوصول إلى ابنه المتخبط وسط التيار وإنقاذه. يستيقظ الأب ويجد نفسه ملقى على شاطئ النهر. يقف ويجول بناظريه فيعثر على ابنه ملقى على الأرض بلا حراك في مكان قريب ويبدو فاقدا للحياة. يضمه الأب إلى صدره وهو ينتحب.

نرى المشهد المؤلم المؤثر من ظهر الوالد حيث تتدلى يد الابن لا حياة فيها. فجأة تظهر بقعة ضوء خفيفة شفيفة، كأنها بقايا نور آت من السماء البعيدة، تنير يد الابن، وندرك بعدها انه حي.

هذا الملخص لا يفي الفيلم حقه، فثمة في داخله الكثير من التفاصيل والمشاهد الممتعة والغنية في دلالاتها. من هذه المشاهد الغنية الدلالة، مشهد الضرير يسير وسط الحقل ممسكا بيد جدته فيسألها: لماذا يداك ناعمتان وناصعتا البياض يا جدتي؟ تجيبه الجدة: يداي خشنتان وجافتان. يرد: كلا إنهما ناعمتان.

ألوان الفردوس موجودة على الأرض، ويصور المخرج معظم مشاهد الفيلم وسط ألوان الفردوس الأخاذة المنتشرة على الأرض، ولكن الفردوس نفسه غير موجود على الأرض، على الأقل بالنسبة لمن يعيشون فوقها. يشكل هذا التضاد أسلوبية مميزة للفيلم، أسلوبية تشمل الجوانب البصرية في علاقاتها المتبادلة: الناس/ الطبيعة، والجوانب السمعية/ البصرية.

اختيار شخصية طفل ضرير لبطولة الفيلم اختيار يعكس حقيقة الإيمان بالإنسان وبقدراته، فأعمى البصر ليس أعمى البصيرة، والعجز عن رؤية الأشياء ليس عجزا عن التعامل معها والإحساس بها والإبداع من خلالها. أفضل ما يعبر عن هذه الفكرة في الفيلم مشهد تعليم النجار الضرير للطفل الضرير أسرار الخشب بأنواعه وتدريبه على كيف يشعر بروح الخشب من خلال ملامسته فيصنع منه قطعا فنية ملائمة.

رسالة الفيلم النهائية ذات طابع إيماني وما يؤكد ذلك مشهد النور في النهاية والجملة الافتتاحية المكتوبة على الشاشة مع بداية عناوين الفيلم: "أنت في نفس الوقت مرئي وغير مرئي،أنت فقط من أريد، اسمك من أنادي".

ومع ذلك فموضوع الفيلم هو الأرض وحياة الناس فوقها والتي تتسم بالشقاء، رغم ان حياة الشقاء يجب ألا تكون الخيار الوحيد أمام الإنسان.

الفيلم من إنتاج عام 1999 وفاز بالعديد من الجوائز الدولية المختلفة، منها الجائزة الذهبية لأفضل فيلم في مهرجان مونتريال السينمائي الدولي.

التعليق