أبو سرية: العلاقة بين مثقفي الضفة وغزة وعرب 48 أقل من مستوى الوحدة

تم نشره في الأحد 27 تموز / يوليو 2008. 09:00 صباحاً
  • أبو سرية: العلاقة بين مثقفي الضفة وغزة وعرب 48 أقل من مستوى الوحدة

روائي فلسطيني يهجس بإنجاز إبداع يخلده

عزيزة علي

عمان - يرى القاص والروائي الفلسطيني رجب أبو سرية أن العلاقة بين مثقفي وكتاب الضفة وغزة من جهة ونظرائهم من داخل الخط الأخضر "عرب 48" أقل من مستوى الوحدة الواجبة.

ويذهب أبو سرية في حوار مع الغد إلى أن اقتصار إطار "الدولة" على جزء من الوطن الفلسطيني، وجزء من الشعب والتفصيل الثقافي التلقائي، جعل كتاب الضفة وغزة هم كتاب دولة فلسطين، فيما الآخرون (كتاب الـ 48) "كتاب أشقاء".

ويشير صاحب رواية "عطش البحر" إلى أن أصعب المعضلات التي تواجه المبدع الفلسطيني في الضفة وغزة، غياب التواصل والاتصال فيما بينهما من جهة، وبينهما والعالم الخارجي من جهة أخرى، ما يحيله أبو سرية إلى كثرة الحواجز وتعقيدات المعابر.

صاحب "نبوءة العرافة" يلفت قبل انعقاد دورة جديدة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، إلى أنه ثمة محاولة، عبر هذه الدورة، لإقرار نظام أساسي وانتخاب أمانة عامة "تعمل على جمع المتعدد الثقافي في إطار واحد في الداخل والخارج، وترميم العلاقة بينهما".

- برأيك ما هي أصعب المعضلات التي تواجه المبدع الفلسطيني في غزة والضفة؟

أخطر مشكلة تواجه كتاب غزة أولا، ثم الضفة ثانيا هي التواصل والاتصال بينهما ثم التواصل والاتصال بينهما والعالم الخارجي، فما تزال حتى الآن وبعد أوسلو وبعد إقامة السلطة الوطنية، الحواجز والمعابر تعتبر عوائق شديدة الوطأة، وهي تحول دون قدرة الكتاب على الطباعة والنشر، ذلك انه لا توجد هنا، في غزة تحديدا، دور نشر وتوزيع. وكما هو معروف فان أهم ما يرغب به الكتاب هو أن ينتشروا وان يصلوا بإبداعهم إلى القراء العرب أينما كانوا، لذا فان العزلة هنا تعتبر برأيي أعقد معضلة تواجهنا ككتاب يقيمون في غزة والضفة الغربية.

- بحكم اطلالتك الواسعة على المشهد الثقافي في قطاع غزة كيف تقيم حراكه؟

غزة جزء حي وحيوي من فلسطين، والناس فيها مغرمون بالفينيق الذي يرون فيه أسطورة تنطبق على حالهم، وهم فعلا كما الفينيق الذي ينبعث مجددا من رماده، ما تلبث الظروف أن تتعقد وتصبح أكثر صعوبة حتى تصبح عزيمة وإرادة التحدي اكبر وأقوى.

وإذا كان من الطبيعي أن تضعف فاعلية بعض أشكال الإبداع لأسباب لها علاقة بالحصار والعزل الخانق، وبأجواء التراجع في الاهتمام بالثقافة عموما، لصالح عسكرة المجتمع وتأصيله وتراجعه ليصبح أكثر محافظة وانغلاقا، وهذا انعكس على الأعمال الجماعية وعلى الإبداع الذي يحتاج أجواء احتفالية.

اختفت هنا المهرجانات الفنية، معارض الكتب، معارض الفن التشكيلي، لكن مقابل ذلك برزت الفنون الفردية، خاصة الفن التشكيلي الذي يجد متنفسه في المعارض الإلكترونية، كذلك فنون التعبير بالكتابة والنشر الالكتروني، حيث تضاعف عدد من يكتبون ويعلقون في المواقع الالكترونية، وعدد المحللين السياسيين.

ربما تظهر هناك أشكال من التعبير لم تكن معروفة (مثل فن المدونات) للرد على الكبت والعزلة.

- ثمة ما يشبه القطيعة بين الكتاب في الضفة وغزة من جهة ونظرائهم من داخل الخط الأخضر "عرب الـ 48"، بماذا تفسرها؟

منذ هتف إميل حبيبي ساخرا كعادته "وحدنا الاحتلال" والكتاب الفلسطينيون على جانبي الخط الأخضر وجدوا الفرصة للتلاقي والتعارف وتبادل ما يكتبون وحتى أن ينشروا في صحف بعضهم بعضا.

العلاقة معهم نشأت بعد العام 67، لكن العلاقات اقل مستوى من الوحدة الواجبة، هناك عوامل حدت من تطور العلاقة برأيي كانت سياسية بالدرجة الأولى، لها علاقة بالبرنامج السياسي الذي سرعان ما تم تفصيل رديفه ثقافيا، وأقصد برنامج إقامة الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن دون استرسال وباختصار شديد أقول بأن قصر إطار الدولة على جزء من الوطن الفلسطيني، ومن ثم على جزء من الشعب والتفصيل الثقافي التلقائي لهذا البرنامج كأنما جعل كتاب الضفة وغزة هم كتاب دولة فلسطين، فيما الآخرون (كتاب الـ 48) أشقاء، كما هو حال العرب مثلا الذين هم أخوة لكن لهم 21 دولة بواحد وعشرين رئيسا، كل دولة لها كتابها، فنانوها... الخ.

- هل هناك تعاون بينكم وبينهم، وما هي أهم المشاكل التي تتعرضون لها؟

أولا لا توجد هناك اتحادات (كتاب أو فنانين) مشتركة بيننا وبينهم، وحدود التعاون، تظهر عند إقامة المهرجانات والمؤتمرات وما إلى ذلك وبل هناك مشاكل حقيقة في الاتصال، بسبب فواصل الجغرافيا ومن ثم السياسة، فهم حاصلون على الجنسية الإسرائيلية ويحاسبون كمواطنين إسرائيليين، ونحن لا نقبل عضويتهم في اتحاداتنا، بل هناك مشكلة الاتصال بين كتاب غزة والضفة، الذين يقطنون في بقعتين جغرافيتين تفصل بينهما إسرائيل حيث أن اللقاء بين كتاب الوطن الواحد يتطلب تصريحا إسرائيليا لذلك.

- قلت مرة إن الروائية الفلسطينية تهادت بين "التذهين" في الخارج و"التقرير" في الداخل، فما الذي كنت تقصده؟

من خلال قراءاتي العديدة للرواية الفلسطينية لاحظت أن كتاب الخارج أو المنفى كتبوا عن شخصيات متخيلة وقد وصل الأمر أحيانا إلى "التذهين"؛ بمعنى أن الأشخاص كانوا عبارة عن أفكار أكثر مما كانوا بشرا من لحم ودم، وذلك يعود لسببين الأول مستوى القراءة العالي للكتاب في الخارج، والثاني بسبب عيشهم في الخارج بعيدا عن المواطنين الفلسطينيين، حيث كانوا يستحضرون الأماكن والناس مما هو مخزون في الذاكرة، والذاكرة ساكنة متوقفة عن الدوران عند آخر لحظة ما قبل الخروج من الوطن.

في الداخل كانت الواقعية فجة إلى حدود التقرير والتسجيل، حيث عاش المبدع حياته معزولا كما الناس جميعا، قليل القراءة والاحتكاك بالخارج، افتقرت كتاباته إلى توظيف احدث تقنيات الكتابة، وتعامل مع الكتابة كمادة صحافية وكموضوع كفاحي، لا يتهم فيه كثيرا بالمتخيل أو الشكل، التكنيك وما إلى ذلك، لذا كانت كثير من روايات الداخل فجة، تقريرية، سيرا ذاتية دون شغل فني يرتقي بها ضمن جنس الرواية. هذا ما قصدته فيما أشرت وفيما قلت في مناسبة سابقة.

- ما هو هاجس الروائي الفلسطيني؟

أهم هاجس لدى الروائي الفلسطيني هو المكان، وهو أهم عناصر العمل الروائي، وهو أغلى ما لدى الفلسطينيين، فالصراع كله يدور على الأرض، ومعظم الفلسطينيين الذين هجروا عن أرضهم كانوا فلاحين، أي أن الأرض هي مصدر رزقهم وهي عنوان حياتهم، كيف تظهر دلالة الأرض في العمل الروائي، هذا هو أهم اختبار للروائي الفلسطيني، لذا فقد اتكأ الروائيون في المنفى على ما تداعته الذاكرة من حضور لمكان فلسطيني صار الروائي والراوي وربما البطل أيضا خارجه، لكنهم جميعا لا يكفون عن الحنين إليه.

مع ذلك يظل هاجسه الروائي الوقت، وقت الكتابة، والزمن والإيقاع، فهو لا يمكنه أن يغض البصر عما يحدث في بلاده، في الوقت ذاته فان إيقاع حياة الفلسطينيين مرتفع، لا يكاد يهدأ، والرواية كما هو معروف فن الاستقرار، فأين يجد الروائي الفلسطيني الاستقرار ومتى يجد الوقت للكتابة، وأين يجد القارئ الوقت للقراءة؟

- .. وماذا عن هاجسك الإبداعي؟

ما أزال على الصعيد الشخصي مسكونا بنتاج عمل روائي أو قصصي يخلدني، وينضم إلى نخبة الأعمال السردية. هاجسي الأساسي هو التجدد الدائم، وأجد نفسي دائما في حالة تحد مع ما هو جديد وجدي في الوقت ذاته، ابحث عن عمل خفيف ومتقن اقصد (خفيف الدم) مسكون أنا دائما بمقولة ناظم حكمت - أجمل القصائد تلك التي لم تكتب بعد - كما أنني في الوقت ذاته مسكون بهاجس الحرية المطلقة، وان الإنسان أسمى من النص وكما هو أجمل من التمثال، وكأنني ابحث عن نص حي من لحم ودم، لا من كلمات عابرة.

- يشتبك في كتاباتك السياسي بالواقعي، فما الذي دعا لاقترانهما في تجربتك؟

اعتبر أن الكتابة اشتباك دائم ومستمر مع الواقع، لكن الواقع بدوره معقد ومتعدد المستويات، فضلا عن انه متحرك ومتغير ومتقلب، لكني أريد أن أوضح بأن الكتابة أولا وقبل كل شيء هي خطاب بين مرسل ومستقبل، يعيشان كلاهما في واقع محدد له قوانينه التي ربما تقهرهما معا لكن بدرجة متفاوتة من الإدراك.

الكتابة وظيفة وغاية كما أن لها هدفا، وهي ليست لعبة أو مضيعة للوقت والأخطر من ذلك أنها ليست وسيلة للتضليل، وحين يمارس بعض الكتاب التضليل عن سابق وعي وترصد، فان جرمهم يكون اشد وطأة.

- ما هي الصورة التي تستفز لحظة الكتابة؟

الصورة التي تنطوي على مفارقة. على أي حال تعددت كتاباتي ضمن الأجناس السردية المختلفة من القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، إلى الرواية فالمسرحية، كتابتي لأي منها تختلف في دوافعها ومحفزاتها عن الأخرى.

أكتب المسرحية للخشبة؛ أي أنني اتفق على الفكرة مع المخرج ومع المجموعة أو الفرقة المسرحية لدرجة أنني قمت فقط بإعداد النص (دراما توج) في "غزة ع التكة" فكرة الرواية تتخلق مع الوقت وأحيانا أقوم برواية أحداثها لأصدقائي حتى أقف عند ردود فعلهم، أما القصة فان فكرتها تأتي كومضة سريعة قائمة على أساس ملاحظة ما قد تكون عابرة.

في مطلق الأحوال اكتب في محاولة مني لأضع حدا لسلوك ما أو لأحفز الناس على فعل ما أو لأقول شيئا لا أقوى على التصريح به من خلال المقالة الصحافية أو حتى لألخص نفسي، وقد حدث أن كتبت بدافع الوصية او ما شبه هذا وكأني ارغب في أن اترك أثرا ما، كما فعلت في "دائرة الموت" يمكن القول إذا بأن الصورة التي تنطوي على مفارقة مختلة غير أخلاقية تدفعني للكتابة، وكأن القلم هو سيف دون كيشوت الذي أحارب به طواحين الهواء المسمومة والتي انتشرت وصارت تحيط بنا في كل مكان.

- هناك حراك لعقد مؤتمر جديد لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، فما هي الصورة العامة قبل عقده؟

مؤتمر اتحاد الكتاب يجيء بالأساس لتصويب أوضاعه القانونية والنقابية وكمحاولة لتوحيد الكتاب الفلسطينيين في الضفة والقطاع والخارج، جر الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين معه إلى داخل الوطن مشكلاته التي كانت في الخارج، وأضاف عليها، كما هو حال كل مؤسسات (م ت ف) الترهل وعدم الفاعلية، وهكذا كانت هناك محاولة قبل 3 سنوات، لإعادة بناء الاتحاد على قاعدة فصل الكتاب عن الصحافيين، ثم توحيد وتفعيل الكتاب في الداخل والخارج معا، هنا اصطدمت محاولة إعادة بناء الاتحاد ببيروقراطية ضيقة، استمرارا لنظرة التفرد الفتحاوية، ثم بانسداد أفق إمكانية تمرير صفقة ذات طبيعة سياسية بين قيادة بيروقراطية في الداخل وجماعة متكلسة في الخارج. لدرجة انه تم عقد مؤتمر، تمت فبركته على عجل دون إقرار النظام الأساسي، وانتخاب أمانة عامة لاتحاد لا دستور له! بعد 3 سنوات الآن تجري محاولة التصويب لإقرار النظام الأساسي أولا ومن ثم انتخاب أمانة عامة تجمع المتعدد الثقافي في إطار واحد في الداخل أولا ومن ثم التوجه إلى الخارج في محاولة لترميم وتصويب العلاقة بين الداخل والخارج.

التعليق