كوكب العزب: قابلة جمعت بين الخبرة والعلم وطيبة "بنت البلد"

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2008. 09:00 صباحاً
  • كوكب العزب: قابلة جمعت بين الخبرة والعلم وطيبة "بنت البلد"

 لبنى الرواشدة

عمان- اعتادت على خطواتها شوارع السلط العتيقة، قبل أن ترحل عن الدنيا الخميس الماضي، وألفتها الحارات التي كانت تجوبها نهارا أو في منتصف الليل وساعات الفجر في حر الصيف أو تحت المطر والثلج، لتلبي صرخة أم في مخاضها.

القابلة القانونية كوكب العزب، التي ولد على يديها عدد كبير من المواليد في مدينة السلط، تستذكرها بعد رحيلها أخيرا أحياء السلط وأهلها الذين كانت لهم معها حكايات وذكريات لم تقتصر فقط على طلب خدماتها في توليد النساء.

"سيدة فاضلة"، يقول محمد الرحاحلة الذي عرفها عن قرب بحكم الجيرة. ويبين أنها استطاعت أن تربي خمسة أبناء حققوا نجاحا لافتا في الحياة بعد أن تخرجوا جميعهم من الجامعات في تخصصات الطب والقانون.

الرحاحلة يؤكد أن وجود العزب في حياة السلطيين لم يقتصر على عملها على مدى عشرات السنوات في مركز الأمومة والطفولة أو في توليد النساء، بل "كانت مثالا في دماثة الخلق". ويضيف "من عرفها كان يشعر بدفء مشاعرها وطيبتها".

ويقول أن أبناءه بكوا بحرارة على فراقها لشعورهم بأنهم فقدوا إنسانة طيبة وقريبة إلى قلوبهم.

ويروي كثير من المقربين من الراحلة سيرتها، التي يشهد عليها جميع من عرفها، بعد ان أمضت ما يزيد على 30 عاما في خدمة أبناء وبنات السلط من خلال موقعها كمديرة لمركز الأمومة والطفولة وقابلة قانونية.

ويعرف عنها انها لم تكن تقبل بتقاضي أجر على عمليات الولادة التي كانت تقوم بها، وإذا ألحّ عليها أحد بذلك تقوم بشراء هدية بالمبلغ الذي قدم لها وتهديها للأم أو المولود، مبينين أنها كانت تكتفي براتبها من وزارة الصحة.

ويرى قريبون منها أنها "مثلت نموذج السيدة الواعية والمتعلمة"، مبينين أنها درست التمريض والقبالة، وأشرفت على خدمة النساء من خلال عملها في مركز الأمومة والطفولة.

وعن الجانب الإنساني عرف في شخصية العزب حبها لمساعدة كثير من النساء الفقيرات اللواتي كنّ يعجزن عن دفع مبالغ للمستشفى من خلال توليدهن في منزلها.

ويشير الرحاحلة أن العزب لم تقصّر في يوم من الأيام بمساعدة أي شخص لجأ لها، إلى جانب حبها الشديد لعملها ودقتها فيه.

ويشير إلى معرفة الجميع بحكمتها ورجاحة عقلها، الأمر الذي كان يجعل النساء يلجأن إليها في طلب النصح والمشورة حتى في شؤونهن الخاصة.

وعن جانب الأمومة في شخصيتها، تعرف العزب على أنها "الأم المثالية بكل ما تحمل الكلمة من معنى"، بحسب تعبير أحد أقربائها، الذي يبين أنها عملت على تربية أبنائها وتعليمهم في ظروف عائلية صعبة جعلت منها المسؤولة عن إيصال مركب العائلة إلى بر الأمان من خلال تفانيها في عملها وإخلاصها في تأدية رسالتها مع أبنائها سواء على الصعيد المادي أو المعنوي.

عدد كبير من أبناء السلط، الذين تمت ولادتهم على يدي العزب وشهدت هي اللحظات الأولى لمجيئهم إلى الحياة يؤكدون أنهم يكنون شعور المحبة تجاهها، "لأنها تحمل رائحة جميع الأمهات"، مع تأكيدهم احترام مهنتها الإنسانية التي تماثل مهنة الطبيب في عطائها وإنقاذ أراوح الأمهات في مخاضاتهم العسيرة.

وارتسمت صورة القابلة القانونية أو ما كان يعرف قديما بـ"الداية" في أذهان الناس بالذاكرة الشعبية في الأيام الخوالي التي لم تكن المستشفيات قد انتشرت فيها لتقدم الخدمة والرعاية للأم والطفل.

وكانت الداية محور اهتمام النساء في مواضيع الحمل والإنجاب والعقم وجميع التفاصيل المتعلقة في هذا الجانب.

الداية كذلك كانت تلعب دورا أكبر في بعض المناطق من خلال علاقاتها الاجتماعية الواسعة، موظفة ذلك في خدمة الجميع؛ كأن تساعد في إصلاح ذات البين أو لعب دور الخاطبة، إلى جانب كونها مستودع أسرار النساء.

التعليق