عنتر بن شداد ضحية للتمييز العنصري في مسرحية لها رؤيتها الجديدة

تم نشره في الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2008. 09:00 صباحاً

 الناصرة - تقدم مسرحية 'عنتر وعبلة' لمسرح السيرة الفلسطيني صورة أخرى لتلك التي قدمتها الملحمة الشعبية وحتى الأدب العربي في فترة العصر الجاهلي.

كما تقدم المسرحية صورة مختلفة للقيم التي آمن بها وتعامل الناس عبرها في ذلك العصر، فبدلا من أن تقدم عنتر رجلا شجاعا لا يتعذب أو يتألم، تبرزه على اعتبار أنه إنسان ضحية للتمييز العنصري.

وفيما يتعلق بالفترة التي عاش فيها عنتر، فإن المسرحية تحاول أن تضفي عليها رؤية عصرية تتّصف بنظرة واقعية وأكثر ديمقراطية وتحررا، بل اشد تقديرا للآخر ومشاعره، لا سيما تلك التي لا شأن له بها وولدت معه، مثل لونه.

المسرحية التي عرضت أول من أمس في قاعة المركز الثقافي الفرنسي بالناصرة، موجهة للأطفال من جيل أربعة إلى سبعة أعوام، غير أن مدير ومؤسس مسرح 'السيرة' والكاتب والمخرج المسرحي راضي شحادة، قال إن المسرحية تناسب جميع الأجيال، وإنه لاحظ خلال عروضها التي تجاوزت المائتين منذ إنتاج مسرحه لها، أن إقبال أهالي الطلاب على مشاهدتها ومتابعة أحداثها لا يقل عن إقبال أبنائهم الصغار.

تحكي المسرحية قصة عنتر ابن شداد، ذلك الشاعر الأسود، الذي عرف بفروسيته وقتله للوحش، كما تقول المسرحية ذاتها، وتتطور عبر استعمالها للدمى والأقنعة، من خلال قصة حب عنترة لابنة عمه البيضاء الجميلة عبلة.

أبناء القبيلة يعتزون بعنترهم حينما يتغلب على الوحش ويخلصهم من اعتداءاته عليهم، إلا أنهم حينما يعرفون أنه يريد الزواج من جميلتهم، عبلاهم، يرفضون، وهنا تتدخل المسرحية لتقدم صرختها، عبر أغنية مفادها أن الإنسان لا يختار لونه وإنما هو يولد معه.

وهو ما يعني أنه يجب التعامل مع الآخرين وفق سلوكهم، أما تلك الصفات التي يولدون بها، فإنه لا يمكن التعامل معهم على أساسها، وإلا وصفت معاملتهم بالعنصرية والظلم، ولا يمكن الحكم عليهم بـ'تهمة' لم تقترفها أيديهم ولم يكن لديهم إزاءها أي خيار.

لتوصيل هذه الرؤية الإنسانية الراقية، يتوسل شحادة، بوسيلة لا تقل ذكاء عن تلك الرؤية التي تقدم بها المسرحية ذاتها، فهي تقول لمشاهدها الطفل وحتى الكبير، إن ما تشاهده ما هو إلا لعبة مسرحية، لذا فهي تبدأ بالتوجه إلى هذا المشاهد.

افتتت المسرحية بالقول: 'سيرتنا هاي الليلة عن عنتر الأسود الشجاع الشلبي وعبلة البيضا الشلبية'، وتنتهي بأن يقدم ممثل الدور الأول والوحيد فيها، راضي شحادة، كتابا سحريا تضمنت صفحاته قصة 'عنتر وعبلة'.

ويقول لمشاهدي المسرحية ما مفاده، إن ما شاهدناه ما هو إلا قصة، وإن هناك الكثير من القصص المشابهة في فترتنا الجارية تنتظر من يكتبها على شكل قصة أو مسرحية، وإن يصدرها بالتالي في كتاب!!

تعتمد المسرحية في تقديمها لرسالتها الإنسانية الواقعية وغير التقليدية الحالمة، على العديد من المؤثرات وفي أساسها الأقنعة والدمى، كما تعتمد على الألحان والمؤثرات والتوزيعات الموسيقية التي وضعها لها الفنان الموسيقي بشارة الخل، ابن مدينة الناصرة.

أما على مستوى التمثيل والأداء، فإن شحادة يحرص خلال تقديمه لها على التواصل مع جمهرة الحاضرين من الأطفال، عبر ملاعيب مسرحية، ترتكز أول ما ترتكز على محاولة إشراكهم معه في التواصل فيما بينه وبينهم، كأن يطلب من مشاهديه أن يرددوا معه بعض الكلمات المؤثرة التي يريد لها أن ترسخ في أذهانهم، مثل فكرة التعامل مع الآخر على أساس تصرفه الذي يختاره وليس على أساس تلك الصفات التي ولدت معه.

إجابة عن سؤال قال راضي، إنه يحرص أثناء تقديمه لأي مسرحية يريد أن يضمها إلى تاريخه المسرحي، على أمرين: احدهما أن تقدم رسالة تربوية مبطّنة تحض مشاهديها على العمل وفق المبادئ والمثل الإنسانية السامية، والآخر أن يقدمها بصورة فنية ذوقيّة ترقى بعناصر الفنّ المسرحي إلى أعلى ما يمكن من تفعيل لحواس وذهن المشاهد، وتحضّ على إشراك مشاهدها عبر التهويل المستند إلى أسلوب الحكواتي، والإضحاك والكوميديا العريضة، والمحافظة على قيمة الفرجة والمتعة والتسلية واللعبة المسرحية في العمل المسرحي.

ما يقوله راضي يتطابق تمام المطابقة مع ما جاء في تعريف إدارة 'السيرة' لمسرحها، فهذا المسرح، يعتمد على استثمار فن الفرجة والسماع، وهو ما يغني حواس المشاهد، عبر استعمال جميع العناصر التي يقوم عليها الفن المسرحي من نص وشعر وغناء وموسيقى ورقص وأقنعة ودمى وأزياء وديكور وماكياج وإضاءة وسائر المؤثرات التقنية والفنية.

إدارة 'السيرة' تؤمن، كما ورد في تعريفها لمسرحها، بأن الفن المسرحي يتضمن مواصفات تختلف عن تلك التي يتضمنها الفن الأدبي، ما يجعل المسرح مستقلا وله أدواته التعبيرية الخاصة به.

التعليق