الكفاءات المحترفة "تنفر" من الخليج تحت مطرقة التضخم والتكاليف الباهظة

تم نشره في الأربعاء 28 أيار / مايو 2008. 09:00 صباحاً
  • الكفاءات المحترفة "تنفر" من الخليج تحت مطرقة التضخم والتكاليف الباهظة

 

دبي- بدأ مئاتُ الوافدين من منطقة الخليج هجرةً معاكسةً إلى بلدانهم أو إلى مناطق جديدة ينتعش اقتصادها، وذلك بعد أن ضيَّق التضخم الخناق عليهم، وقلصت التكاليف الباهظة للحياة من فرص الادخار وتأمين مستوى معيشي لائق.

ويقول خبراء واقتصاديون في أحاديث متفرقة "إن نسبة الوافدين من الكفاءات المحترفة التي تفكر بالهجرة أو هاجرت فعلاً تصل إلى5%، بينما ترتفع عند العمالة العادية إلى7%".

وأكدوا أن آثارا اقتصادية سلبية ستترتب على هذه الهجرة، لا سيما وأن استقدام كفاءات جديدة بتكاليف باهظة ستؤثر على نتائج الشركات، كما أن خُطط الحكومات الطموحة للسنوات المقبلة ستتأثر أيضا بسبب نقص الكوادر المحترفة.

ورأى بعضهم أن زيادة الرواتب وضبط الأسواق غير مجديين وحدهما للحد من هجرة الكوادر، إذ لا بد من إجراءات إضافية أخرى، لا سيما رفع المزايا وتحسين بيئة العمل، محذرين من تطورات مستقبلية تجعل من الهجرة الحالية أزمة حقيقية.

ويحدد الكاتبُ الاقتصادي السعودي، "عبدالله عبدالرحمن باعشن"، قائمةَ الأسباب التي تدفع الكوادر إلى مغادرة الخليج، يضع في مقدمتها التضخم تليه تكاليف الحياة الباهظة، وفقدان التحويلات المالية جزءا كبيرا من قيمتها نتيجة استمرار ارتباط عملات الخليج بالدولار، فيما بدأت عديدٌ من الدول المصدرة للكفاءات تتخذ إجراءات عملية لتحرير عملاتها من العملة الأميركية، وكذلك نهوض اقتصادات بعض دول آسيا، وبالتالي حدوث هجرة ارتدادية.

ويقول باعشن:"إن الوافدين نوعان: كوادر محترفة وأخرى عمالة عادية، وأعتقد أن نسبة الكفاءات المحترفة التي ترغب في مغادرة المنطقة أو غادرت فعلاً تصل إلى 5%، وهذه ظاهرة قد تتحول إلى مشكلة في المستقبل".

ويؤكد "أن الإجراءات الحكومية أو إجراءات الشركات في رفع الرواتب غير كافية، إذ لا بد من اتخاذ خطوات أكثر جدية، مثل رفع مميزات التوظيف، وتحسين بيئة العمل، والاستمرار في تدريب الكوادر، وتوفير ما يلزم لحياة طبيعية تشجع على الاستمرار، ولا بد من معالجة التضخم بشكل حاسم".

ويضيف أن أبرز الشركات التي ستواجه المشكلة هي شركات الـ"IT" بالإضافة إلى الشركات المالية وبعض الصناعات".

إلى ذلك يقول(محمد ز.) سوري الجنسية:إن "راتبه ارتفع منذ عامين بمعدل 17%، فيما ارتفعت أسعار أغلب المواد الرئيسة بأكثر من200%، والعام الحالي شهد أكثر الزيادات قساوةً في تاريخ الخليج، ومع ذلك كان أسوأ الأعوام فيما يخص زيادات الرواتب، لا سيما لدى القطاع الخاص، وهذه مفارقة وسبب رئيس جعلنا نفكر بالهجرة المعاكسة".

ويتقاضى محمد، وهو يعمل لدى شركة تعمل في مدينة دبي للإنترنت 35 ألف درهم شهريا، وهو ما يعادل تقريبا10 آلاف دولار أميركي، ويصنف راتبه في خانة المدخولات الجيدة، ومع ذلك يؤكد أن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأسعار الخدمات والإيجارات نالت منه لأنه كان معتادا على مستوى معيشي معين، واليوم أرسل زوجته وطفله إلى سورية ليخفف الأعباء الجديدة عن الأسرة" التي يبدو أن معيلها يفكر جديّا هو الآخر بالمغادرة.

وتبدأ الرواتب في دولة الإمارات من 600 درهم شهريا (الدولار يعادل 3.67 دراهم) للعمالة في قطاع البناء والتشييد، ولا يوجد سقف واضح لها للكوادر المحترفة والمديرين التنفيذيين في الشركات الكبيرة، ويعاني الجميع آثارا سلبية للتضخم وارتفاعات الإيجارات.

وكانت دراسة استبيانية أجرتها نهاية العام الماضي جلف تالنت دوت كوم قالت، إن 6% من الوافدين العاملين في الخليج ينوون مغادرة المنطقة والعودة إلى بلدانهم الأصلية خلال الـ12 شهرا المقبلة.

وأوضحت الدراسة أن أكبر نسبة من الوافدين الذين لا يدخرون أية مبالغ من رواتبهم 43% كانت في الإمارات، مقارنةً بالسعودية، التي قال 23% فقط من الوافدين الذين شملتهم الدراسة أنهم لا يدخرون من رواتبهم أيةَ مبالغ على الإطلاق، وعانت قطر والإمارات من أعلى معدلات التضخم، ولكن نسبة الوافدين الذين لا يدخرون كانت أعلى في الإمارات، وربما يعود السبب إلى فرص الإنفاق الاستهلاكي الوافرة في مبيعات التجزئة.

ومن المؤشرات المقلقة أن 7% من الوافدين في الإمارات قالوا إن رواتبهم لا تغطي تكاليف المعيشة، مما يدفعهم إلى الاقتراض أو العيش على مدخراتهم السابقة، وبشكل عام تظهر نتائج الدراسة، أن دول الخليج، خاصةً دول الإمارات تفقد سر جاذبيتها المالية كمنطقة للادخار العالمي.

ويبلغ التضخمُ في قطر حسب الأرقام الرسمية 14%، لكن النسبة الحقيقية تصل إلى20%، وفي الإمارات يبلغ التضخم المعلن 9%، إلا أن النسبة الحقيقية تبلغ 15%، أما في المملكة العربية السعودية، فالتضخم المعلن يبلغ 5%، لكن الرقم الحقيقي يصل إلى 9%، وذلك حسب دراسةٍ أعدتها دراسة اقتصادية حديثة أعدتها الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي.

ورغم الغلاء الفاحش ونسب التضخم المرتفعة يقول الباحث الاقتصادي الدكتور جاسم حسين:"إن دول مجلس التعاون الخليجي لم تفقد بريقها المالي وكونها وجهة مرموقة للكوادر العالمية المحترفة، وذلك نتيجة توافر السيولة الكبيرة والمشاريع التنموية الضخمة وخطط الحكومات المستقبلية التي تحتاج مئات الآلاف من هذه الخبرات".

ويضيف "إن هذا لا يعني أننا لسنا أمام مشكلة بدأت بوادرها تظهر في بعض دول الخليج بصورة أقوى من غيرها، لكنها لم تصبح ظاهرة بعد".

ويؤكد أن بعض المديرين التنفيذيين في مملكة البحرين قاموا بتسفير أسرهم للتخفيف من أعباء المعيشة، علما أن البحرين، وهي أصغر اقتصاد خليجي تأتي في ذيل الدول الخليجية التي تعاني التضخم الذي لا يتجاوز 6%.

ويؤكد أن "الاقتصادات النامية كالهند والأردن ستجذب عددا من الكوادر، لكن الولايات المتحدة الأميركية، وفي ظل ما يشهده اقتصادها حاليا قد تصبح الوجهة المفضلة للكوادر المهاجرة من الخليج".

وتختلف حدة انعدام الجاذبية المالية بين دول الخليج، وذلك بين مدن كل دولة، وتبقى إمارة دبي أكثرها جاذبية، رغم ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات، إلا أن ما توفره من مشاريع اقتصادية وفرص ماتزال تلهب مخيلة خريجي الجامعات العالمية والعربية المرموقة، هذا ناهيك عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والانفتاح الذي تتميز به الإمارة.

التعليق