كاتب مصري يرصد علاقات المد والجزر بين واشنطن والقاهرة في الخمسينيات

تم نشره في الخميس 17 نيسان / أبريل 2008. 09:00 صباحاً

القاهرة - يرى أستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس بمصر أن علاقة بلاده بالولايات المتحدة شهدت في الخمسينيات تذبذبا واضحا بين تقارب في مصالح الدولتين وتباعد بسبب اتهام أميركا للرئيس السابق جمال عبدالناصر بتهديد المصالح الغربية لدرجة اعتبار مصر من الدول المارقة.

ويقول محمد عبدالوهاب سيد أحمد في كتابه "العلاقات المصرية الاميركية من التقارب الى التباعد..1952-1958"  إن "صغار ضباط الجيش" كانت لهم اتصالات مبكرة بالاميركيين فبعد ما يحدده بأنه ساعات على "انقلابهم" الذي استولوا فيه على السلطة فجر يوم23 تموز(يوليو)  1952 بدأوا التقرب علانية الى السفارة الاميركية في مصر".

ويقع الكتاب في172 صفحة كبيرة القطع وأصدرته "دار الشروق" في القاهرة ضمن سلسلة تعنى بإعادة قراءة التاريخ المصري.

ويقول سيد أحمد إن الجيل الذي لم يعاصر الحقبة الناصرية خدع بمظاهر أدت الى تكوين صورة ذهنية ملخصها أن علاقة أميركا "كقوة عالمية ومصر كقوة اقليمية" شابها توتر ونفور منذ بداية الثورة حتى وفاة عبدالناصر في العام1970.

ويضيف أن أميركا عضدت موقف الضباط المصريين الشبان الذين قاموا بالثورة وقضوا على الحكم الملكي وأنهوا الاحتلال البريطاني للبلاد أملا في ترحيب الثوار بمشاريع الدفاع الغربية واستجابتهم للانضمام الى الاحلاف من أجل احتواء الخطر السوفيتي وبعد رفض عبدالناصر ما يصفه بالاملاءات الاميركية "والسلام تبعا للشروط الاسرائيلية.. أصبحت مصر في نظر صانعي القرار في واشنطن من الدول المارقة".

ويسجل أن السفارة الاميركية بالقاهرة "لم تكن مهتمة فقط بتأمين الانقلاب بل ان أميركا لم تتوقف عن التلميح لبريطانيا منذ البداية بأن التدخل الاجنبي سيتسبب في كارثة" كما رفض الاميركيون التدخل لصالح الملك فاروق آخر من حكم البلاد من أسرة محمد علي.

ويضيف أن أميركا رجحت أن يكون الحكم العسكري "أكثر نفعا في مشاريع الدفاع الغربية خاصة مشروع قيادة الشرق الاوسط" كما حصلت من الضباط على تأكيدات أنهم لا ينوون شن حرب على اسرائيل واستراحت لرغبة أكيدة أبداها الحكم الجديد في القضاء على الشيوعية حتى وصل التنسيق بين مصر وأميركا خلال أول عامين للثورة الى ذروته في مجال مناهضة الشيوعية.

ويصف سيد أحمد التدخل الاميركي في الشؤون الداخلية لبلاده بعد الثورة بأنه لا يختلف كثيرا عن تورط البريطانيين في شؤون مصر على مدى أكثر من70 عاما.

فيقول مثلا إن أميركا عارضت تولي الدكتور عبدالرزاق السنهوري رئاسة الوزراء في العام1953بسبب خلفيته الدينية إذ "كان من أشد المعارضين للمد الثقافي الاجنبي مما كان سببا في الصدام بينه وبين البعثات الاميركية التبشيرية" مضيفا أن النفوذ الاميركي "تفوق على النفوذ البريطاني في مصر.

ثم يستعرض المؤلف أسباب التباعد بين البلدين في منتصف الخمسينيات بعد رفض عبدالناصر الانضمام الى أحلاف أو تكتلات عسكرية أجنبية "باعتبار أن الخطر المباشر على المنطقة العربية هو اسرائيل" ثم حصول مصر على صفقة أسلحة من الاتحاد السوفيتي في العام 1955 والتي اعتبرها مسؤول أميركي بأنها "تعادل خسارة الصين.. وقد أظهر عبدالناصر بهذه الصفقة.. أن القوى الصغرى تستطيع أن تحدد مصائر سياسات القوى الكبرى وليس العكس في بعض الاحيان".

ويضيف أنه "حفاظا على هيبة الغرب" أعلنت أميركا يوم19 تموز(يوليو)  1956سحب عرض لتمويل مشروع السد العالي في جنوب مصر فأعلن عبدالناصر بعد أسبوع تأميم شركة قناة السويس وترتب على ذلك تعرض البلاد لعدوان ثلاثي بريطاني-فرنسي-اسرائيلي في تشرين الاول(أكتوبر)1956.

لكن أميركا التي عارضت العدوان رأت أن تحافظ على دورها بألا تعطي الاتحاد السوفيتي فرصة "الصيد في الماء العكر... وضح للاميركيين أن الاتحاد السوفيتي هو وحده المستفيد في حالة تأييد الولايات المتحدة للعمل العسكري "العدوان الثلاثي" فبدأ التقارب من جديد بين القاهرة وواشنطن.

ويشير الى أن الموقف الاميركي لم يكن يعني تأييد مصر في تأميم شركة قناة السويس بل كان يميل الى أن "عبدالناصر لا بد أن يتخلى عن تأميم شركة القناة بوسائل دولية وليس بالقوة" بل ان عبدالناصر في نظر الاميركيين أصبح "يمثل نفوذا شريرا" على حد تعبير وزير الخارجية الاميركي في ذلك الوقت جون فوستر دالاس الذي رأى أن الزعيم المصري استفاد من السياسة الاميركية في أزمة السويس لكنه لم يتخذ خطوات ايجابية نحو تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

ويقول سيد أحمد إن العام1957 شهد انقضاء "شهر العسل. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من التباعد بين القوى العظمى والقوى الاقليمية التي اتهمت صراحة بأنها تهدد مصالح الغرب ومن يلوذون بفلكه في المنطقة...وفي النهاية سلمت الولايات المتحدة بضرورة التقارب ولو مرحليا مؤمنة بأن التباعد في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه حمى القومية العربية لا يخدم المصالح الاميركية بقدر ما يهددها. وكان عبدالناصر من خلال ما أحرزه من انتصارات ولو على المستوى السياسي مدركا أبعاد اللعبة فهو لم يتباعد كلية ولم يتقارب بصورة فجة".

التعليق