البرغوثي يستعيد خطاب "الأرض والشهادة" في قراءات أخلصت للشعر وانتصرت للقدس

تم نشره في الثلاثاء 1 نيسان / أبريل 2008. 09:00 صباحاً
  • البرغوثي يستعيد خطاب "الأرض والشهادة" في قراءات أخلصت للشعر وانتصرت للقدس

نادر رنتيسي

عمان ـ أيقظ الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي ميراثا شعريا ظل لعقود متسيدا عناوين الأدب العربي في تمجيده لمفردات الأرض والشهادة في سبيلها، مستحضرا أجواء خطابية أبرزت حضوره الذي يعرفه الجمهور جيدا من خلال مشاركته قبل أقل من عام في برنامج أمير الشعراء.

وانزاح البرغوثي الذي استضافه المركز الثقافي الملكي أول من أمس في أمسية شعرية بمناسبة يوم الارض، نحو نصفه الثاني، المصري، في محاكاته للقصيدة المحكية المصرية، دون أن يبتعد عن خصوصيته وأدائه المختلف.

واستهل البرغوثي أمسيته بقراءات جديدة، اعتبرها امتحانا له، لرأيه أن الجمهور يشاركه كتابتها من جديد. وكان مناسبا تماما أن يبدأ بقصيدة "الجليل" مباغتا بها الجمهور اللافت بدخوله أجواء حماسية دون توطئة:

سلام على زين القرى والحواضر

ومن هاجروا منها ومن لم يهاجر

يمر بنا اسم المرج مرج ابن عامر

فنطرب لاسم المرج مرج ابن عامر

من قال بيتي في الجليل ولم يزد

فقد قال شعرا وهو ليس بشاعر

وبدت قصائد البرغوثي الجديدة محافظة على خصوصية تجربته القريبة، جهة بروز الملمح السردي المتصاعد، الذي يدهش الجمهور في استخدامه كلاما رابطا، عاديا، وبعيدا عن فرادة الشعر، إلا أنه بـ " كاريزما" تميم، وخصوصية القائه يبدو شعرا خالصا.

وفي قصيدة جديدة أخرى يقف البرغوثي في موقع الإدانة لطرفي الصراع الذي دار في قطاع غزة، ويبدو هجّاء ماكرا، منذ استهلاله:

إنْ ثار أهلي فالدهر يتبعُ

يشهد أهوالهم ويستمعُ

يأخذ عنهم في البقاء نقدا

فقد زادوا عليه الكثير وابتدعوا

مصرا على الوقوف عند الخط المرئي الفاصل بين الفصيلين حيت يختم بوضوح على لسان التاريخ الحديث" كل ما هم أن يقول لهم أنهم مهزومون ما اقتنعوا".

ويتتبع في قصيدته المعروفة "في القدس" التي اشتهرت خلال تسابقه في برنامج "أمير الشعراء" على قناة أبو ظبي، تفاصيل الحياة المناقضة للأصل الذي كانت عليه المدينة قبل احتلالها، مبرزا خصوصية عالية جهة في "شعرنة" تفاصيل تبدو أقل من الشعر:

في القدسِ، بائعُ خضرةٍ من جورجيا بَرِمٌ بزوجته

يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في في طلاءِ البيتْ

في القدس، توراةٌ وكهلٌ جاءَ من مَنْهاتِنَ العُليا يُفَقَّهُ فتيةَ البُولُونِ في أحكامها

في القدسِ شرطيٌ من الأحباشِ يُغْلِقُ شَارِعاً في السوقِ..

رشَّاشٌ على مستوطنٍ لم يبلغِ العشرينَ،

قُبَّعة تُحَيِّي حائطَ المبكَى

ويعود البرغوثي إلى جديده في قصيدة "حديث الكساء" معيدا فيها وجع الوحدة الوطنية "بنثر أضاف إليه الوزن والقافية".

ويبتعد في الجزء الآخر من الأمسية نحو قراءة في العامية من نصفه الفلسطيني، والمصري الذي استهله بقصيدة قاربت أجواء أحمد فؤاد نجم:

فى العالم العربى تعيش،

بتبص فى الساعة

وخايف نشرة الاخبار تفوت

علشان تشوف ع الشاشة ناس

فى العالم العربي،

تموت،، 

إلا أن صوته الخاص بدا أكثر وضوحا في قصيدة "بتحب مصر؟" التي كان قد كتبها على إثر ترحيله من القاهرة إبان المظاهرات المنددة بالغزو الأميركي للعراق، مستعيدا فيها تجربة مماثلة لوالده الشاعر الفلسطيني المعروف مريد البرغوثي، الذي تم ترحيله من القاهرة قبل أقل من ثلاثين عاما في سياق الرفض الشعبي لاتفاقية كامب ديفيد.

لكن صوته الأشد وضوحا تجلى في قصيدة بنصفه الفلسطيني الأول "عجل سيارة العسكر" قارئا بلهجة عامية بليغة تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية بسلبياتها وصورها المخدوشة بسلاح الأشقاء ووهم التحرير في ظل "عجل داير، عجل سيارة العسكر".

وكان أمين عام المنتدى الثقافي العربي د. حسن نافعة قد قدم البرغوثي، بـ"سعادة" أحالها إلى سببين، الأول تمثل في "العلاقة الشخصية والعميقة" التي تربطه بتميم ووالده ووالدته الناقدة المصرية المعروفة رضوى عاشور، متعبر إياه "ابن الحب الكبير بين مصر وفلسطين"

وأشار د. نافعة أن علاقته بتميم أعمق، مفسرا ذلك بأنه " تربى في قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة " الذي ترأسه نافعة لسنوات طويلة، وكان خلالها مواكبا لتجربة تميم الشعرية في بواكيرها.

ولفت إلى أن السبب الثاني يعود إلى مناسبة يوم الأرض، متعبرا إياها أهم ذكرى عربية، لثلاثة اعتبارات، أولها، برأيه أن اسرائيل لا تفرق بين فلسطينيي 48 و 67 أو من هم في المهجر، لقناعته أن اسرائيل تريد الأرض الفلسطينية خالية من السكان.

وفي الاعتبار الثاني رأى أن يوم الارض تجسيد حي للصراع العربي ـ الاسرائيلي، مؤكدا أن "لا هوية بلا أرض، فهي التي تعطيها المعنى"، فيما رأى أن الاعتبار الثالث يكمن في حقيقة أن " لا حق يضيع ووراءه مطالب".

وتميم المولود في القاهرة عام 1977،  له أربعة دواوين باللغة العربية الفصحى وبالعاميتين الفلسطينية والمصرية، هي:

 ميجنا، عن بيت الشعر الفلسطيني برام الله عام 1999، المنظر، عن دار الشروق بالقاهرة عام 2002، قالوا لي بتحب مصر قلت مش عارف، عن دار الشروق بالقاهرة عام 2005، مقام عراق، عن دار أطلس للنشر بالقاهرة عام 2005.

نشر قصائده في عدد من الصحف والمجلات العربية كأخبار الأدب، والدستور، والعربي القاهريات، والسفير اللبنانية، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميريكية عام 2004.

عمل أستاذاً مساعداً للعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم عمل ببعثة الأمم المتحدة في السودان. كتب مقالاً أسبوعياً عن التاريخ العربي والهوية في جريدة الديلي ستار اللبنانية الناطقة بالإنجليزية لمدة سنة من 2003-2004

له كتابان في العلوم السياسية: الأول بعنوان: الوطنية الأليفة: الوفد وبناء الدولة الوطنية في ظل الاستعمار  صدر عن دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، عام 2007، والثاني بالإنجليزية عن مفهوم الأمة في العالم العربي وهو تحت الطبع في دار بلوتو للنشر بلندن.

التعليق