المغتربون العراقيون: أحلام عودة مؤجلة

تم نشره في الأربعاء 26 آذار / مارس 2008. 09:00 صباحاً
  • المغتربون العراقيون: أحلام عودة مؤجلة

بغداد- اقتصرت ظاهرة الهجرة والاغتراب في المجتمع العراقي في بداياتها على النخب السياسية، وارتبط ذلك في التحول السياسي الذي شهده العراق في اواخر الخمسينيات وواقع الاضطراب والصراع السياسي الضاري في عقد الستينيات.

ووصل هذا الصراع ذروته بتصفية احزاب اليسار العراقي وانهيار الجبهة الوطنية في عقد السبعينيات وانفراد حزب واحد بالسلطة.

ومع نذر الديكتاتورية اندفعت موجة من اللاجئين السياسيين في الغالب الذين قضوا سنوات طويلة في دول المنفى والاغتراب.

بيد ان الظاهرة اتسعت لتشمل شرائح اخرى واسعة بعد الحروب المتعددة التي خاضها النظام العراقي السابق والحصار الذي تعرضت له البلاد في التسعينيات. وتشكلت مجتمعات واسعة في دول اللجوء الاوروبي.

واذا كان القمع السياسي لنظام صدام حسين والحروب المتعددة التي خاضها قد تسببت في موجة الهجرة الاولى فان السقوط المدوي لهذا النظام، لم ينه هذه الظاهرة، بل قاد الى موجات نزوح وهجرة في داخل العراق وخارجه، اثر اندلاع دوامة العنف والقتل الطائفي في البلاد.

اذ وصل عدد المهجرين العراقيين بعد عام 2003 الى 4،5 ملايين نسمة. يتوزعون ما بين نازحين في الداخل العراقي ومهجرين في دول الجوار او دول اللجوء والاغتراب في اوروبا والعالم. لتشكل اكبر موجة نزوح تشهدها المنطقة بل وفاقت النزوح الفلسطيني في عام 1948 وما بعده.

موجة جديدة

استحال اليوم الذي انتظره العراقيون الى لحظة قتل وسلب ونهب، او سلب حريات الآخرين وحيواتهم بل وحتى تاريخهم ونضالهم.

ويذكر تقرير صادر عن الامم المتحدة ان العراقيين قد شكلوا أكبر مجموعة من طالبي حق اللجوء إلى الدول المصنعة، وذلك خلال عامين متتاليين.

بعد ان تقدم أكثر من 45 ألف عراقي بطلب اللجوء أثناء سنة 2007، وكان عددهم لا يزيد على 23 ألفا في عام 2006، حسب أرقام المفوضية العليا للاجئين. لكن هذا العدد لا يساوي سوى نسبة 1 في المائة من المهجرين العراقيين والذين يقدر عددهم بحوالي 4,5 ملايين نسمة.

ويأتي ذلك على عكس التوقعات التي كانت ترى في سقوط نظام صدام حسين مدخلا لتحقيق حلم العودة بالنسبة لكثير من المغتربين العراقيين، الذين ظلوا طوال سنوات اغترابهم يعيشون على حلم العودة، وعكسوه في احاديثهم ونتاجاتهم الفنية والثقافية وبات يمثل محورا اساسيا فيها.

هل تبدد حلم العودة الى الوطن بالنسبة لكثير من المغتربين بعد التحول الذي شهده المجتمع العراقي ودوامة العنف الناشبة فيه، وما هي الاسباب التي قادت الى ذلك؟ وهل انتمى الكثير منهم الى بلدان اللجوء والاغتراب التي بات معظمهم مواطنين فيها؟

اسئلة حملناها الى عدد من المغتربين العراقيين الذي جربوا العودة الى العراق بعد عام 2003، ليرووا في اجاباتهم تجاربهم المختلفة في العودة.

يرى معد ان الاعوام الخمسة الماضية عمقت احساسه بالمأساة ولم تعيد له حلمه.

الصحافي العراقي في جريدة الشرق الاوسط معد فياض كان من اول العائدين الى بلاده قبيل ايام من سقوط النظام العراقي السابق يقول انه تعرض الى صدمة مبكرة بددت حلمه بالعودة بعد 15 عاما من الاغتراب.

ويضيف "كان لدي حلم ان اكون في العراق لحظة تغيير النظام. هذا كان حلما كبيرا بالنسبة لي، وفعلا كنت من اول الصحافيين العراقيين الذين دخلوا الى العراق قبل تحرره في نيسان عام 2003. ودخلت العراق الى مدينة النجف ضمن مجموعة اغاثة انسانية قادها عبد المجيد الخوئي الذي اغتيل في النجف بعد يوم واحد من سقوط النظام يوم 10 نيسان.

واذا بي افاجئ بان هذا الحلم قد انقلب الى كابوس يوم تعرضنا في حضرة الامام علي الى هجوم مسلح من قبل مجموعة متشددة. كانوا يعتقدون ان هذه المجموعة قادمة لتنافسهم سياسيا او لاسباب اخرى. او ان أي شخص يأتي من الخارج هو متسلط او قادم لممارسة نفوذه وتهديدهم في ذلك الوقت".

وبعد هذه التجربة المأساوية المبكرة يصف معد مشهدا علق بذاكرته كاستعارة للتحول الحاصل في المجتمع العراقي. "أتذكر انني رأيت مشهدا في التلفزيون لشاب عراقي يمسك بيده سكينة مطبخ كبيرة، ويحمل معه اشياء سرقها ويصيح بأعلى صوته بصوت فج قائلا: الآن انا حر، انا استطيع ان افعل أي شيء، انا الآن أصبحت اميركيا ولست عراقيا بدلا من قوله انني قد استرجعت عراقيتي. ويؤشر بسكينه الى ان أي شخص سيقف في طريقه سيذبحه".

يرى معد ان هذا المشهد عمق احساسه بالمأساة وبدد الصورة الحلمية التي في ذهنه، عندما يستحيل اليوم الذي انتظره العراقيون الى لحظة قتل وسلب ونهب، او "سلب حريات الآخرين وحيواتهم بل وحتى تاريخهم ونضالهم" حسب تعبيره.

ويرى معد ان الاعوام الخمسة الماضية عمقت احساسه بهذه المأساة ولم تعيد له حلمه. اذ يقول: بعد خمسة اعوا م نرى العراق يتراجع امنيا والحريات الصحافية تتراجع وينعدم الشعور بالامان، وتصل الهجرة الى مستويات مخيفة ويبدو العراقي غير آمن حتى من جيرانه في أي من احياء بغداد بسبب الهجمة الطائفية والعنصرية القومية التي جاءت مع الاسف مع قوات الاحتلال.

لم استطع ان ابقى اكثر من 24 ساعة بحساب الساعات ورجعت بخيبة كبيرة لا شك ان سنوات الاغتراب الطويلة قد ولدت لدى الكثيرين حيوات جديدة في بلدان اغترابهم. واصبح الكثير منهم مواطنين في هذه البلدان. وبات البعض يقارن بين الاثنين. فلمن الغلبة؟"

الفنان المسرحي رسول الصغير يجيب عبر وصف تجربته بالعودة من بلاد اغترابه هولندا "كان تصور وطن خال من كل اشكال الظلم والطغيان التي تسببت في مغادرتنا لوطننا، حلما كبيرا. كان اكبر حتى من ان تحده اي فواصل".

وبرى رسول الصغير انه كان يمتلئ بالحنين الى الاماكن التي عاش فيها والى الاصدقاء والزملاء ومشاهدة المسرح على خشبات المسارح العراقية، حالما بأن يكون المكان "بعد التحرر من الطغيان مختبرا جديدا يمكن للمرء ان يجرب فيه ابداعه الفني وينقل الخبرة التي تعلمها في الخارج".

بيد انه يرى ان احلامه هذه كانت مبنية على واقع افتراضي أسسته ذاكرته في سنوات الاغتراب. وان هذه الاحلام سرعان ما تبددت بعد زيارة قصيرة الى العراق عام 2004.

ويوضح "منذ ان دخلت الى الحدود واجهتني خيبة لان الممارسات التي غادرتها منذ زمن طويل ما تزال موجودة.

واول صدمة هي ان تدفع مبالغ للشرطة على الحدود لادخالك. ثم توالت مناظر الطائرات والدبابات والبلد المحتل تبدد شيئا فشيئا الصور الموجودة في مخيلتي وبمجرد وصولي الى بغداد شعرت بانطفاء غير اعتيادي.

اول مكان قصدته كان المسرح الوطني وكان قد تحول الى خربة. ذهبت الى مسرح الرشيد ثم الى كلية الفنون كانا في وضع يرثى له. فلم استطع تحمل هذه الصورة.

انتبهت الى واجهات المسارح كان النوع السائد من العروض في تلك الفترة هو العروض الدينية. نظرت الى وجوه الزملاء والاصدقاء كانت كالحة وبدا عليها تعب كبير فكانت صدمة كبيرة، اذ لم يخطر ببالي ابدا ما شاهدته".

ويرى ان ما احزنه ليس آثار الحرب من تهديم المباني والاماكن المحروقة، اذ يمكن اعادة بنائها، لكنه يستدرك بقوله "ان الانهيارات والخرابات التي شاهدتها في نفوس البشر هي التي اثرت بي كثيرا. فلم استطع ان ابقى اكثر من 24 ساعة بحساب الساعات ورجعت بخيبة كبيرة".

بيد انه لا يعدم الامل بالتمني من جديد ان يتحسن الوضع ليعود لاكتشاف ما يسميه احلامه المؤجلة .

ويصطدم حلم العودة للمساهمة في بناء الوطن وتنميته بما اكتسب من خبرات في الخارج بصخرة العنف المستشري، كما يتحدث الدكتور عباس الجميلي الذي ابتدأ بوصف فرحته الهائلة في العودة الى البلد على الرغم من منظر الخراب الشامل الذي رآه.

اذ كما يقول كان يقوده امل المساهمة في ترميم البلاد. بيد انه يرى ان فرحته هذه لم تتواصل "للاسف الشديد انقلبت الامور رأسا على عقب، وبدأت موجة العنف والاغتيالات، لنعيش اياما سوداء تماما وسط خوف ورعب لا يقل عما كنا نراه ايام النظام السابق".

ثم يصف كيف وصل هذا العنف اليه في بيته: "اقتحم بيتي ثلاثة مسلحين مقنعين، يحملون المسدسات والسيوف والقنابل اليدوية. وحاولوا اختطافي لكنني دافعت عن نفسي وتمكنت من الهرب منهم لكنني دفعت ثمنا لذلك بأن ظهري قد اصيب نتيجة قفزي من مكان عال اثناء محاولة الهروب منهم. وهذا أراه ثمنا صغيرا ازاء الناس الذين دفعوا ارواحهم ثمنا لعودتهم وخدمتهم لوطنهم".

ورغم مغادرته البلاد يدافع الدكتور الجميلي عما يجري في البلاد من تحول يراه يمثل توجها حقيقيا نحو الديمقراطية جسدته العملية الانتخابية التي عايشها في العراق، التي يرى انها تواجه معوقات وتحديات من اطراف متعددة من الميلشيات والجماعات المسلحة ومن تضررت مصالحهم وامور متداخلة عديدة.

يرى انها دفعته من جديد الى "ترك العراق والعودة الى دوامة الانتظار التي دمرتني شخصيا منذ عام سبعين من القرن الماضي وحتى الآن.

لكنني اعيش على الامل متمثلا قول الشاعر ناظم حكمت: ان الايام الجميلة لم نرها بعد والزهور الجميلة لم نرها والاطفال الحلوين لم نرهم بعد وما نزال ننتظر".

ويقدم المثقف العراقي كامل شياع، المستشار في وزارة الثقافة العراقية صورة مختلفة اذ يرى ان حلمه في العودة لم يكن مبنيا على توقعات رومانسية، بل انه جاء متوقعا خرابا كبيرا يدفعه الى المزيد من التحدي لاكتشاف اسبابه والاصرار على مواجهته للمشاركة في صنع مستقبل البلاد.

من هنا كان قراره في البقاء في البلاد وعدم مغادرتها يقول: "كنت اعرف مسبقا ان هذا البلد قد تعرض الى تخريب وتعرض الى حصار وتجويع وانهاك كامل وتدمير بناه التحتية.

هذا مشهد خراب كنت اتوقعه. جئت الى العراق لكي اكتشفه واتعايش معه. ولكي أصبر ايضا على ازعاجاته ومشاكساته التي تواجهني.

وهذه قضية نجحت الى حد غير قليل في تطويع نفسي مع واقع صعب وواقع في الحقيقة يخذل الكثير من التوقعات الرومانسية المبنية عليه.

لكنه ايضا كان تجربة مهمة في العيش في مكان محدد وزمان محدد مع بشر محددين وفي سياق ملموس. وهذا ما كنت افتقده كعراقي عاش في الخارج لفترة طويلة وشعر ان اللحظة أتت لكي يستوي مع الناس ويبسط حياته وافكاره ويتعايش مع الواقع دون توقعات كثيرة ودون احلام ونظريات وتجريدات ومفاهيم.

وهذا ما أمدني بطاقة هائلة على التحمل وقدرة على الرصد والاكتشاف والتعايش واكتشاف لغة جديدة مع هذا الواقع الذي بدا لي غريبا للوهلة الاولى.

ثم سرعان ما كشف لي وجهه الآخر وهو وجه عادي طبيعي فيه بشر لطيفون وفيه إرادات ومعالم جميلة بدأت اعيد اكتشاف المكان وبدأت ابني علاقات مع البشر ومشت الحياة إلى الآن".

ويقدم كامل شياع تجربته في صيغة بحث عن المعنى وخلاص روحي من تجربة الاغتراب الطويل في التآلف مع بساطة الواقع والناس والبحث عن صور الحياة والامل في حياة الناس وسط طوفان الخراب والعنف.

ولكنه في الوقت نفسه يتمنى ألا تكون عودة الآخرين الذين عادوا الى اغترابهم بعد ان لم يستطيعوا التعايش مع ما يسميه هذا السياق الغريب والمعقد في العراق ألا تكون عودتهم تلك ناجمة عن خيبة ويضيف "انا اعتقد ان العيش في العراق بالنسبة لمن عاش في الخارج وعاد اليه حتى لفترة قصيرة، اعتقد ان هذه قد وفرت له فرصة لاعادة توازن الذات ولكسر الصور الوهمية التي غالبا ما تكون زاهية عن الوطن.

ان المحصلة النهائية لمن عاد الى العراق وتركه من جديد هي فرصة لاعادة توازن الذات ولادراك الاشياء ولادراك التاريخ وثقل التاريخ.

شيء مؤسف في نهاية الامر عندما نرى مجموعة من المثقفين والشخصيات العراقية التي جاءت الى هذا البلد ثم اخفقت في التمكن من المعايشة والتعايش مع وضعه.

وهذا ما اعتقد انه يمثل على المستوى العام خسارة كبيرة للعراق، ولكن على المستوى الخاص اظن انها اغنت هؤلاء الافراد لانهم رأوا الواقع بأم اعينهم وبالتأكيد توصلوا الى توازن ما".

ولعل تبدد حلم العودة لدى البعض على صخرة دوامة العنف والقتل الطائفي وتردي الخدمات واندحار الطبقة الوسطى العراقية. يدفعنا الى اعادة التساؤل هل نحن أمام حلم عودة حقيقي يستند الى فهم للواقع ورغبة بتغييره، ام رجع صدى حنين للذكريات والاماكن والماضي سرعان ما يتبدد في اول اصطدام بصخرة تحولات الواقع.

وهل يظل الامر عند حلم يتم اجتراره في نتاج ادبي وفني وفي نوستالجيا جمعية، ام اننا ازاء مشكلة هجرة واغتراب كبيرة تستدعي جهودا حكومية ودولية لحلها.

التعليق