"انتظار" للفنان طالب دويك: صور المعناة في فلسطين

تم نشره في الأربعاء 12 آذار / مارس 2008. 08:00 صباحاً
  • "انتظار" للفنان طالب دويك: صور المعناة في فلسطين

معرض تشكيلي يتواصل في جاليري دار المشرق نهاية الشهر الحالي

  

محمد جميل خضر

عمان- يضيء الفنان التشكيلي الفلسطيني طالب دويك في 26 لوحة تضمنها معرضه "انتظار" الذي افتتح مساء أول من أمس في جاليري دار المشرق في الشميساني، شرفات أمل مشع بألوان الأرض والخصب والكروم.

وينقل بريشة سهلة ممتنعة، صور معاناة الناس في فلسطين، ويعاين في أعمال معرضه المتواصل في دار المشرق حتى 31 الشهر الحالي تداعيات جدار الفصل العنصري، ويحفر بألوان وتقنيات مختلفة على الورق والقماش فرادة المرأة الفلسطينية أم الخصب وحاملة جذوة الفداء.

ويلقي دويك، المولود في القدس العام 1952، عبر فرشاته وألوانه وبساطته التعبيرية الفذة حالات وجوه الناس في ظل المعاناة، عبر متوالية الألم والأمل.

ومن خلال تعبيرية مشتقة من حس طفولي ومفردات البراءة الأولى، يؤسس دويك صاحب عديد المعارض الشخصية في عمّان والقدس وبيت لحم ودبي وغيرها من المدن والعواصم، الصيغة الأولية للوحته، قبل أن يشرع بنثر باقي تفاصيلها وتكوين باقي وحداتها، لتتكامل في نهاية المطاف عملا ينطلق بالدرجة الأولى من تعبيرية طفولية، ولكنه يتجاوزها بعد ذلك مستفيدا من عناصر تشكيلية وتعبيرية أخرى وأحيانا تشخيصية تختزل وجوه الناس لتتماهى في نهاية المطاف مع الشكل الإنساني الذي يرسمه الطفل.

وتعكس أعمال المعرض الشخصي "انتظار" مدى ارتباط دويك، خريج كلية فنون جامعة حلوان في القاهرة في العام 1977، بالأرض، وتعبر عن تفاعله مع هموم ناسه وأهله، بتركيز تعبيري وجداني على معاناة أطفال فلسطين.

ويصل الفعل التعبيري ذروته وعمق دلالاته في لوحات بعينها، مثل اللوحتين اللتين تحملان عنوان "التراث" وكذلك لوحات الوجوه، خصوصا واحدة منها، بأناقة ألوانها وما تحمله وجوهها من ضنك ونظرة رغم التعب والمعاناة، حادة شاخصة نحو الأعلى بانتظار أفق أمل ممكن.

وغرفت بعض أعمال دويك موضوعاتها من الأجواء الشعبية السائدة، خصوصا، في مدينة القدس كليلة القدر في مدينة الصلاة والسلام.

وتدلل لوحات دويك إلى ذلك على امتزاج الإنسان والمكان وصولا إلى إظهار طبيعة العمارة التي تميزت بها الجغرافيا الفلسطينية.

وكان للقدس، المدينة ذات الخصوصية الدينية وما ينتج عنها من تهاليل إلى جانب الكنائس والأطفال والنساء، حضور واضح في هذه التجربة حيث يقول الفنان دويك "القدس تسكنني وذلك من خلال الخطوط والألوان والمادة المناسبة، وتوظيفها لخدمة الفكرة دون الوقوع في الاغتراب".

وحملت أعمال الفنان، الذي أسهم في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس، رسالة مشبعة بفلسطينيته التي يقول لسان حالها أننا في الأرض كجذور زيتونة مكثت في الأزمان وما تزال تغذي ذاتها المقاومة في الشموخ والعناد. واعتقد ان دويك في هذه التجربة يطرح تساؤلا كبيرا امام الاحتلال، ذلك التساؤل المزعج الذي يتمحور حول استحالة محو المكان الفلسطيني لذلك نرى إلى أن هذه التجربة تقدم رسالة إنسانية وجمالية تتضمن الفكرة السياسية في استمرارية الحضور الفلسطيني. ويستمر المعرض لغاية نهاية آذار الحالي.

وشغل دويك منصب رئيس رابطة الفنانين الفلسطينيين من 1990 وحتى 1996. وكان رئيسا لقسم الفنون في جامعة القدس من 2001 وحتى 2003، وعضو لجنة المناهج للفنون والحرف الفلسطينية، ومحاضرا في جامعة القدس، كلية الفنون الجميلة.

شارك في معارض دولية مميزة في سورية، اليابان، ألمانيا، اسبانيا، الولايات المتحدة، كندا، بلجيكا، الإمارات العربية المتحدة، مقر الأمم المتحدة، تونس، المغرب، الأردن، الشارقة، إضافة إلى عشرات المعارض في فلسطين. وطالب دويك فنان تشكيلي متميز في لوحاته شكلا ومضمونا، وواضح في لوحاته المختلفة أنه مسكون بالقدس، وتراثها وناسها، وموروثها الديني، كما هو مسكون بهموم شعبه ووطنه، ومن هنا فإن لوحة التراث التي تتصدر معرض "انتظار" تحوي عشرات الرسومات التراثية الدينية الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى الصناعات التراثية، والمأثورات الشعبية المادية، ومن يتمعن في لوحته هذه يجدها تصرخ قائلة: "إن القدس ممتدة عبر التاريخ وأحمل في حضني حضارة شعب عريق، ساهم في بناء الحضارة الإنسانية"، ويلاحظ أن وجهين يتوسطان اللوحة، واحد لرجل والثاني لامرأة، وكان الفنان يقول بأن كلا الجنسين البشريين ساهما في بناء هذه الحضارة.

وبما ان القدس هاجس الفنان، هذه المدينة التي تتم سرقتها وتغيير ملامحها العربية الاسلامية، تأسر لبّ وريشة الفنان، لذا فهو يسحتضرها في اكثر من لوحة منها "القدس في الليل" و"القدس في اللون الاصفر" و"البلدة القديمة" و"رمضان" و"القدس في العين". و"القدس في الليل" جاءت في اكثر من لوحة، وفي اكثر من جانب، والفنان لا يكرر نفسه في هذه اللوحات لأن القدس لوحة حضارية انسانية تصعب الاحاطة بكنوزها وجمالها وروعتها وقدسيتها وأهميتها.

اشتهر دويك ايضا برسم الوجوه، لذا فإن اكثر من لوحة ايضا تحمل رسومات لوجوه مختلفة، فهل تعني هذه الوجوه أن اجيالا تذهب وأن اجيالا تأتي، وهذه سنة الحياة؟ أم تعني انه مهما تبدلت الوجوه على القدس فإن وجه المدينة لن يتغير، أم ان هذه الوجوه حائرة مذهولة لما يجري في القدس، أم أن هذه الوجوه تنتظر من يحررها أم انها تبحث عن المستقبل؟ فكل الاحتمالات قائمة، وعلى الناظر الى لوحات الوجوه ان يفهمها كيفما يشاء، فلكل عقله وعلمه وثقافته، وكل لوحه تحمل اكثر من قراءة.

التعليق