الجدل حول تعريف "الموت" يعرقل زراعة الأعضاء بمصر

تم نشره في الخميس 28 شباط / فبراير 2008. 10:00 صباحاً

القاهرة- على مدار نحو خمسة عشر عاما تقريبا أثير جدل واسع النطاق في مصر حول نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وسط موجة من التحذيرات المتكررة مما يطلق عليها "مافيا تجارة الاعضاء"، ومطالبات حثيثة للتوصل الى تشريع واضح يسيطر على الفوضى في هذا المجال.

الخلافات الواسعة بشأن مشروع القانون الخاص بتنظيم نقل وزراعة الاعضاء يشهد عليها البرلمان المصري منذ أواخر القرن المنصرم، لا سيما فيما يتعلق بنقل الأعضاء من الميت الى الحي وما يتبعه من جدل أوسع حول تحديد حالة الوفاة.

ففي الوقت الذي يعتبر فيه فريق أن موت جذع المخ يعتبر موتا بينا يمكن بعده استخدام أعضاء صاحبها، يعتبر فريق آخر موت جذع المخ "تقنينا" مستحدثا لتجارة الاعضاء.

نقيب الأطباء المصريين

واستقرت هذه السجالات الآن عند محطة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب التي تناقش مواد المشروع من الناحية الدستورية والقانونية، تمهيدا لعرضها على مجلس الشعب فى جلسة عامة لتمريرها أو رفضها.

قطع غيار بشرية

النائب محمد كمال عويطة، عضو الحزب الوطني الحاكم في مصر، كان من أوائل من تقدموا بمشروع قانون في البرلمان خاص بتنظيم نقل وزراعة الاعضاء عام1996، ومن أبرز المتحفظين على اعتبار موت جذع المخ موتا بينا، قال في تصريح لبي بي سي إنه يعتبر ان مصطلح موت جذع المخ ليس سوى مسمى"مغلوط" و"مزعوم" اخترعه أطباء نقل وزراعة الأعضاء على حد تعبيره.

تعطل القانون قد يهدد حياة المنتظر لمتبرع

والغرض من ذلك، كما يرى عويطة، الوصول الى أعضاء جسم الانسان الحيوية وهي حية ونقلها لآخر، مؤكدا انه لا يجد مبررا وراء قتل انسان وهو ما يزال حيا لإنقاذ آخر، واعتبر ان الامر يتضمن خطورة جسيمة غرضها هو تحويل الشعب المصري الفقير الى قطع غيار بشرية لأثرياء المنطقة.

في المقابل يتنبى نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب الدكتور حمدي السيد التيار المؤيد لاعتبار موت جذع المخ موتا حقيقيا، وقال لبي بي سي إن موت جذع المخ مسألة "محسومة" باعتباره دليل وفاة حقيقيا معترفا به في كل بلاد العالم، وأن التشخيص اذا أثبت موت جذع المخ فيمكن بعده نقل الاعضاء.

وأضاف انه "لم يثبت أبدا أن أحدا قد أصيب جذع مخه بالموت ثم عاد للحياة مرة أخرى"، وهذه هي القاعدة التي يتم الاستناد اليها في كافة عمليات نقل الاعضاء من الاموات.

وانتقد ما يدعو اليه البعض في مصر بالانتظار لحين وفاة كافة اعضاء الجسد والتشخيص بعد ساعتين من اختفاء كافة مظاهر الحياة وهو الأمر الذي أكد السيد انه لا يصح ولا يجوز بعده نقل الاعضاء.

"أصوات عالية"

وأبدى السيد دهشته من عدم امكانية حسم هذه المسألة على الرغم من حسمها فى الكثير من الدول، معتبرا أن الذين يعرقلون نفاذ القانون "أصحاب أصوات عالية"، وإنهم يستندون الى دعاوى فقهية او شرعية قد تم حسمها وان لم تكن قد حسمت في مصر فقد حسمت خارجها.

دعوات للاستناد إلى فتوى من القرضاوي

وقال ان مجلس الفقه الاسلامي أجاز رفع اجهزة الانعاش عن المرضى الذين توقفت الحياة عن مخهم وبالتالي إجازة نقل الاعضاء بعد موت جذع المخ، وكذلك الحال بالنسبة لفتوى الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الصدد، كما حسمت هذه القضية في بعض البلاد المتشددة دينيا كالسعودية وايران.

واعتبر انه من المضحك ان تكون مصر رائدة للتنوير وتقف مكتوفة الايدي امام هذه المسألة على الرغم من ارتباطها الشديد بملف انساني يعي الجميع خطورته لارتباطه بحاجة قطاع كبير من المرضى.

وأشار نقيب الاطباء المصريين إلى ان الدولة تتبنى موقفا " شبه حيادي " اقرب لعدم الاكتراث بالقضية، لافتا الى ان تحمس وزير الصحة للقانون لا يكفي وحده، وانه اذا كان الحزب الحاكم متحمسا لهذا الامر لتم اجازة القانون منذ فترة طويلة.

التجربة السعودية

في المقابل يرفض البعض الاستناد الى تجارب اخرى في هذا الصدد، منهم نائب الاخوان المسلمين سيد عسكر معقبا على استشهاد نقيب الاطباء بالتجربة السعودية، وقال إن السعودية استندت في موقفها إلى فتوى للشيخ عبدالعزيز بن باز، وانه تبين له ولآخرين أن بن باز تراجع عن فتواه تلك بعد ان اعطيت له معلومات طبية اقتنع بها تفيد بعدم ثبوت الموت بعد موت جذع المخ في جميع الحالات.

الخبراء أكدوا ان الموت هو توقف المخ عن العمل، في الوقت الذي يخلط فيه غير المتخصصين بين بعض حالات الاغماء والغيبوبة ووفاة جذع المخ

المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية

وطالب عسكر الأطباء اعطاء رجال الدين المعلومات الصحيحة ليستندوا اليها في فتواهم، وقال ان الاستناد الى موت جذع المخ دليلا للموت أمر "مستحدث" وهناك معارضون له.

الطب وليس الدين

اما الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الاسلامية فقد قال ان الجدل حول موت جذع المخ شأن طبي وليس دينيا، وان الشرع يرى ان الموت هو مفارقة الروح للجسد وما يتبعه من توقف الحياة في الجسد، اما ما يتعلق بموت جذع المخ لا يفتي فيه عالم دين وانما يقوم بذلك الاطباء.

وشدد على ان المختلفين حول هذا الامر هم الأطباء انفسهم وليس علماء الدين، وقال انه وغيره فى مجمع البحوث الاسلامية اكدوا، تفاديا للخطأ، ان يتم تحديد الوفاة عن طريق مجموعة من الاطباء وليس واحدا.

المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور عبدالرحمن شاهين أكد على دعم الوزارة لهذا القانون لإقراره خلال هذه الدورة البرلمانية، مشيرا الى انه لم يثبت في اي دولة في العالم ان الحياة عادت الى شخص اصيب بوفاة جذع المخ.

وأضاف أن الخبراء أكدوا ان الموت هو توقف المخ عن العمل، في الوقت الذي يخلط فيه غير المتخصصين بين بعض حالات الاغماء والغيبوبة ووفاة جذع المخ، وان هناك وسائل علمية كثيرة منها التحاليل الطبية والموجات فوق الصوتية التي تستخدم لإثبات الوفاة بعد حدوث الموت الاكلينيكي او السريري.

واعتبر شاهين أن المعارضين لهذا القانون وقفوا وراء تأخر صدور هذا القانون في الوقت الذي تبنته الكثير من دول المنطقة ومنها السعودية.

ويظل الخلاف حول تعريف الموت الحقيقي عنوانا رئيسيا لملف نقل وزراعة الاعضاء في مصر الذي يبدو أنه سيظل مفتوحا في ظل الجدل الدائر في شأنه.

التعليق