الدورة السابعة والثلاثون من مهرجان روتردام السينمائي تحفل بالأفلام العربية

تم نشره في الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2008. 09:00 صباحاً

روتردام- حفلت الدورة السابعة والثلاثون من مهرجان روتردام السينمائي، التي انتهت أخيرا، حافلة بالأفلام المدهشة، سواء على مستوى اللغة السينمائية أو المواضيع التي تتناولها.

عرض المهرجان 250 فيلما طويلا، ما بين الروائي وغير الروائي، و450 فيلما قصيرا تسجيليا ودراميا، من 73 دولة.

وعرض خلال أقسام المهرجان المختلفة عدد من الأفلام الروائية وغير الروائية، من مصر والجزائر والمغرب ولبنان وفلسطين وسورية والعراق.

وكالعادة خصصت المسابقة الرسمية للمهرجان للأفلام الأولى لمخرجيها، والغرض منها اكتشاف المواهب الجديدة في السينما، وتسليط الأضواء عليها.

وعرض خلالها 15 فيلما من 15 دولة هي فرنسا وأميركا واليونان وتشيلي والارجنتين واليابان والدنمارك وتايلاند والسويد وكازاخستان وماليزيا وأوكرانيا وهولندا والفلبين والصين.

جوائز النمر الذهبي والفضي والبرونزي حصل عليها مخرجو الأفلام ومنهم عمر الشرقاوي الفلسطيني الاصل.

وحصلت الأفلام الثلاثة التالية على جوائز المهرجان (النمر الذهبي والفضي والبرونزي): "مع السلامة يا جميل" من الدنمارك، و"وردة في الجيب" من ماليزيا، و"بلدة رائعة" من تايلاند.

لكن أفلام المسابقة ليست عادة الأهم في روتردام، ويراعي القائمون على المسابقة عادة اختيار عدد كبير نسبيا من أفلام بلدان جنوب شرق آسيا بغض النظر عن مستواها الفني، نظرا للاهتمام الخاص في هولندا بهذه البلدان تاريخيا.

وعادة ما تثير الأفلام المعروضة في الأقسام الأخرى شهية الباحثين عن المتعة السينمائية أكثر بفضل تنوعها واعتمادها على عمل سينمائيين أكثر رسوخا واحترافا.

لم يعرض داخل المسابقة أي فيلم من السينما العربية، بل عرض فيلم دنماركي الإنتاج وإن كان من اخراج مخرج فلسطيني الأصل، وجاء في معظمه، ناطقا بالعربية، هو فيلم "مع السلامة يا جميل" الذي حصل على النمر الذهبي.

فيلم "مع السلامة يا جميل" دراسة في أوضاع العرب المهاجرين إلى الدنمارك.

والفيلم هو الفيلم الأول للمخرج عمر الشرقاوي، وهو ينتمي لأب فلسطيني وأم دنماركية ومن مواليد كوبنهاجن، وإن كان يعبر في فيلمه الأول عن رغبته في البحث عن هويته العربية، ويسعى لفهم ما يحيط حاليا بحياة الشباب الفلسطينيين المهاجرين في الدنمارك من مشاكل كثيرة في ضوء تطور الأحداث.

إنه فيلم عن الهوية بقدر ما هو عن العلاقة مع الآخر، وعن الصراع بين ابناء العرب المهاجرين بعضهم البعض أيضا، عن الغربة ومعنى الصداقة. ويقول مخرجه إنه أراد أن يجعل الجمهور الغربي يشاهد، ليس فقط الجانب الخارجي من العرب، بل وأن يقترب من ثقافتهم ولغتهم وتعاملهم مع بعضهم البعض داخل أسرهم، وارتباطهم بالوطن وعاداته، ومعاناتهم من أجل الاستمرار في الحياة والبحث عن فرص للعمل والبقاء.

بعيدا عن المسابقة، عرض فيلم لبناني هو "على الأرض السماء" من التمويل الفرنسي وهو الفيلم الروائي الأول لمخرجه الشاب شادي زين الدين، الذي يعود فيه إلى لبنان الحرب الأهلية التي لم يكن جزءا منها.

إلا أنه لا يسعى هنا إلى التعبير عن أي موقف سياسي أو تقديم تجسيد درامي لما حدث، سواء زمن الحرب الأهلية، أو ما تلاها من "حروب صغيرة"، أو حروب أخرى كبيرة بحجم الغزو الإسرائيلي عام 1982، بل يحاول أن يصور كيف تتعاقب فصول الزمن، والحروب تفعل ما تفعل، وتنزل ويلاتها على البشر، لكنهم لا يكفون في أي وقت، عن البحث عن السعادة، رغم الحزن الداخلي الدفين الذي يغلف الحياة في بيروت.

فيلم "وعلى الأرض السماء" يميل إلى التأمل الشاعري. يروي الفيلم تاريخ البشر، والتاريخ الحديث لبيروت المدينة من خلال بناية سكنية وسكانها الذين كانوا يعيشون فيها في الماضي. مدخلنا إلى الفيلم شيخ، يدعى يوسف، هو الساكن الوحيد الذي بقي على قيد الحياة في تلك البناية التي مزقتها الحروب وحولتها إلى خرائب.

يوسف يعيش في مساحة مستحيلة بين العقل والجنون، يتذكر، ويحلم، ويتأمل. إنه يجمع صور البشر الذين كانوا يعيشون في البناية، في لحظات السعادة والتألق، بقايا الصور وأطرافها، كل ما يصور السعادة ويعيد الذكريات الجميلة لعلها تأتي.

إنه فيلم عن الحرب وتأثير الحروب المتعاقبة على العقل، لكنه أيضا فيلم عن الحب، وعن الرغبة في الحياة، وعن التطلع إلى العودة: إلى مستقبل جميل كالماضي الذي كان قبل زمن الحرب، وإلى مصير تستحقه بيروت المدينة التي تتناقض بتكوينها وبنيتها مع العنف لكنها تظل تغترف منه.

هذا الفيلم الأول البسيط قد يكون أفضل من كثير من الأفلام الأخرى التي تدعي وتصرخ وترفع الشعارات.

ولأن موضوعه داخلي أكثر منه ظاهري، يميل الفيلم إلى التوقف والتأمل، ليس على صعيد العقل بل أساسا، على مستوى المشاعر، ولذا يستخدم شادي أسلوبا بصريا يتناسب مع "رؤيته" السينمائية، التي تقوم على بناء غير منطقي، لا يروي من خلاله قصة، بل قصصا عدة، لعدد من الشخصيات المتداخلة التي كانت تعيش في أزمنة مختلفة: 1958، و1975 و1982.

واللغة السينمائية هنا هي لغة شعرية، تخفي أكثر مما تبوح، وتمنح الإيحاء بالفعل أكثر مما تصور أفعالا، وتمور بالإشارات التي يمكن استنباطها من بين لوحات "الكولاج" البصري التي يعبر المخرج من خلالها عن رؤيته.

يعتمد فيلم "وعلى الأرض السلام" على التداعيات الحرة بين الماضي والحاضر. إنه يقفز بين الماضي والحاضر، ومن داخل الماضي يعود إلى ماضٍ أبعد، ويعبر عن جنون الحرب كما ينعكس على البشر فيجعل تصرفاتهم مشوبة بالجنون أيضا.

وتتداخل اللقطات، كما تتداخل الذكريات التي تنبعث أساسا من الصور الفوتوغرافية التي يشاهدها يوسف، وتتداخل معها الألوان والموسيقى، ولا يصبح هناك فرق بين الواقع والخيال، أو الحاضر والماضي، فالمأساة مستمرة، والانتظار مستمر: انتظار أن تعود المدينة إلى الناس، وأن يعود الناس إلى المدينة بأجوائها الحية المتحررة من آلام الماضي.

ومع ميل شادي الواضح في اتجاه سينما ما بعد الحداثة للتعبير عن حالة جنون تتجاوز الحداثة، يبرز حس تشكيلي عالٍ في الفيلم، يتضح في تصميم الحركة، حركة الممثلين داخل اللقطة، وحركة الكاميرا، واهتمام بالتكوين واستخدام مميز للألوان والموسيقى، كما لو كنا أمام لوحة تمتلئ بالإيحاءات ومفردات الشعر.

التعليق