عمالة الأطفال في لبنان ظاهرة خطيرة لكنها منسية

تم نشره في الخميس 7 شباط / فبراير 2008. 09:00 صباحاً
  • عمالة الأطفال في لبنان ظاهرة خطيرة لكنها منسية

طرابلس (لبنان)- ينكب ابراهيم خضر عرجة (ثماني سنوات) على عمله منذ الصباح الباكر، وقد اتسخ وجهه ويداه وهو يعمل على اصلاح سيارة في مرآب في باب التبانة في طرابلس شمال لبنان، حيث يعمل ستة ايام في الاسبوع لمدة عشر ساعات يوميا.

ويفترض ان يكون ابراهيم في المدرسة، الا ان عمله لا يترك له وقتا لتحصيل العلم.

وقد انضم الى شريحة متنامية من الاطفال العاملين بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية في بلد تتآلى فيه الازمات السياسية.

ويقدر عدد الاطفال العاملين في لبنان، بحسب ارقام رسمية، بمائة الف على الاقل وتتراوح اعمارهم بين 10 و18 عاما. وهم يعملون خصوصا في قطاعات الزراعة والميكانيك وكذلك في صناعة المجوهرات وصناعات حرفية صغيرة.

ويقول نبيل وطفة من مكتب منظمة العمل الدولية في بيروت لوكالة فرانس برس ان "الشريحة العمرية بين 10 و15 عاما هي الاكثر تأثرا (..)، الا ان هناك اطفالا في الثامنة يضطرون للعمل ايضا".

وأضاف ان "هؤلاء الاطفال، ومعظمهم من الذكور، يتعاملون مع مواد كيميائية في ورش لتصليح السيارات ومحلات الحدادة والنجارة وتقطيع الرخام وفي المزارع حيث هم معرضون للمبيدات الحشرية".

ومعظم الاطفال العاملين يتحدرون من منطقتي عكار وطرابلس في الشمال، حيث يعيش عدد كبير من العائلات تحت خط الفقر.

ويعمل آخرون في سهل البقاع (شرق) وفي جنوب البلاد، حيث ينتشر الفقر ايضا وتعتمد المداخيل بشكل اساسي على الزراعة.

في باب التبانة في طرابلس، تستخدم معظم ورش تصليح السيارات والحدادة الاطفال.

ويمكن رؤية هؤلاء وهم يقومون بأعمال اللحام واستخدام آلات خطرة ومواد كيميائية سامة من دون اي تجهيزات حماية.

وعبر اكثر من اثني عشر طفلا عن اقتناعهم بأن مستقبلهم يكمن في العمل الشاق بدلا من اللعب، وقد اضطروا لترك المدرسة باكرا.

ويقول مصطفى ياسين (13 عاما) انه بدأ يعمل السنة الماضية في محل لتصليح السيارات، وهو يكسب عشرة دولارات اسبوعيا.

ويضيف "لا اظن انني خلقت للمدرسة. افضل ان اتعلم مهنة لأساعد عائلتي وربما افتح محلا خاصا بي في يوم من الايام".

ويوضح مرشدون اجتماعيون ان الاطفال الذين يتركون المدرسة ينتمون الى عائلات فقيرة جدا مؤلفة من عشرة افراد وأحيانا اكثر.

ويقول ربيع سيف الدين دنش (25 عاما) الذي يعمل منذ سن الخامسة عشرة انه ترك المدرسة الرسمية التي كان يتعلم فيها "لأنها تشبه السجن، وكثير من الاولاد يطردون منها او يتركونها لأن احدا لا يهتم بهم".

وبدأ شقيقه احمد (14 عاما) يعمل حدادا قبل سنة، ثم انضم حديثا الى ورشة عمل العائلة في اصلاح السيارات.

ويقول "اعمل سبعة ايام في الاسبوع ووالدي يعطيني 20 دولارا اسبوعيا"، مضيفا "لكن عندما اكبر ويصبح لدي اولاد، اريدهم ان يتعلموا لأن التعليم هو الشيء الوحيد المفيد".

ونفذ ايمان نويهض، الاستاذ في الجامعة الاميركية في بيروت، دراسة قبل ثلاث سنوات عن عمالة الاطفال في لبنان خلصت الى ان المواد الكيميائية التي يتعاملون بها تؤثر على نمو جهازهم العصبي.

وقال لوكالة فرانس برس "ان اداء الاطفال الذين يتعرضون للمواد الكيميائية المعدة غالبا لإزالة الشحوم عن السيارات وأدوات العمل اسوأ من اداء الذين يذهبون الى المدرسة او الذين لا يتعرضون لتأثير مثل هذه المواد".

وأضاف "هذا امر مؤسف وغير مقبول"، مضيفا "نعلم كلنا هذا الامر انما لا يمكننا القيام بالكثير ازاءه".

وقال وطفة ان لبنان وقع في 2001 معاهدة منظمة العمل الدولية التي تحظر عمالة الاطفال، الا انه لم يتمكن من تطبيقها بسبب نقص الوسائل لديه.

وذكرت نهى شليطا، رئيسة قسم عمالة الاطفال في وزارة العمل، ان هناك 91 مراقبا مكلفين بتطبيق قوانين العمل بشكل عام على كل الاراضي اللبنانية، مضيفة ان ليس هناك اية موازنة مخصصة لعملية مكافحة عمالة الاطفال.

وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض "نحاول ارساء مفهوم حقوق الطفل، لكن ذلك ليس مترسخا في عقلية الناس"، مضيفة "سجلنا بعض التقدم، لكن ما تزال هناك ثغرات في قانوننا".

ويحذر العاملون الاجتماعيون من ان فشل الدولة في مكافحة هذه الظاهرة من شأنه ان يدفع العديد من الاطفال الى احضان المنظمات المتطرفة التي تجند عناصر في المناطق الفقيرة من لبنان.

كما يشيرون الى ان الدعارة وتعاطي المخدرات ظاهرتان منتشرتان بين الاطفال العاملين.

وتقول فاطمة عضيمة من مؤسسة رينيه معوض (منظمة غير حكومية) "هؤلاء الاطفال يفتقرون الى حقوقهم الاساسية"، مضيفة "نجد ان الاستغلال الجنسي والجسدي باتا يطرحان مشكلة كبيرة".

وأشارت الى محاولات ناجحة وجهود من اجل اخضاع هؤلاء الاطفال لتأهيل مهني. لكنها اضافت "ان النجاحات هي نقطة في بحر والطريق ما يزال طويلا".

وتابعت "اننا نشهد نشأة جيل لا يملك اي قيم ولا يعرف حدودا".

التعليق