قمر "وادي رم" يطل من"حلم ليلة صيف" ويغازل "كسارة البندق"

تم نشره في السبت 26 كانون الثاني / يناير 2008. 09:00 صباحاً
  • قمر "وادي رم" يطل من"حلم ليلة صيف" ويغازل "كسارة البندق"

أوركسترا عمان السيمفوني تحتفل بمرور عام على ولادتها في مركز الحسين الثقافي

 

محمد جميل خضر

عمان- 44 عازفا وعازفة، داروا بمختلف الآلات الموسيقية حول رحى باليه "كسارة البندق"، وصنعوا في حفل أحيته أوركسترا عمان السيمفوني مساء أول من أمس على المسرح الرئيسي في مركز الحسين الثقافي، لحظة صفاء لحني خالص بما قدموه من مقطوعات وما تقاطعوا معه من أنغام.

وتنقلوا في الأمسية التي أقيمت بتنظيم من قبل المعهد الوطني للموسيقى التابع لمؤسسة الملك الحسين، وتبن من قبل أمانة عمان الكبرى، ودعم إعلامي من قبل إذاعة مزاج إف إم، بمناسبة مرور عام على تأسيس أوركسترا عمان السيمفوني(الذكرى الأولى لميلادها)، بين مستويات لحنية وتعبيرية عديدة، خصوصا مع اختلاف أساليب المؤلفين الموسيقيين الذين اختاروا مقطوعات ورقصات وافتتاحيات ومتتاليات وسيمفونيات لهم في الحفل الذي زاد جمهوره عن500 شخص.

وقدمت الأوركسترا بقيادة المايسترو محمد عثمان صديق افتتاحية "حلم ليلة صيف" للموسيقار الألماني فيلكس مندلسون(1809-1847) وسيمفونية "وادي رم" للمؤلف الموسيقي الأردني هيثم سكرية ومتتابعات من "كسارة البندق" في جزئها الأول للمؤلف الموسيقي الروسي بيتر تشايكوفسكي(1840-1893).

وهي المرة الأولى التي تقدم فيها سيمفونية "وادي رم" محليا، وكان سكرية قدم المقطوعة أكثر من مرة في العامين الماضيين من خلال أوركسترا القاهرة السيمفوني على المسرح الرئيسي في دار الأوبرا المصرية.

وتجلت كمنجات الأوركسترا(خصوصا الفيولين) في"حلم ليلة صيف"، وتحرك اللحن بانسيابية مريحة ليكون على تماس شفيف مع رومانسية الموسيقار الألماني فيلكس مندلسون.

ومع تدخلات قليلة من حملة آلات النفخ النحاسية، فقد حافظ لحن الافتتاحية على رشاقة شبيهة بليلة صيفية رائقة متحللة من الزوائد والملابس الثقيلة تطير في صفاء سمائها الفراشات.

وظهرت الأجواء الشرقية ساطعة في سيمفونية "وادي رم" للمؤلف الموسيقي الأردني هيثم سكرية، وذهبت فقرات السيمفونية المتكونة من حركتين نحو تخوم الوله الصوفي المضمخ بمساءات وادي رم المشعة بنور قمر لا يموت. وحملت الحركة الأولى في السيمفونية عنوان"الشروق في وادي رم"، وصف المؤلف من خلالها قوة الطبيعة وعظمة الجبال الشامخة كالعمالقة وكأن فيها روحا، وجاءت الحركة الثانية بعنوان:"الغروب في وادي رم"، وصف سكرية من خلالها رومانسية المكان وقت الغروب واختباء الشمس خلف الجبال وروعة المنظر وسحر الطبيعة.

وتنوعت الألحان ورقصت قلوب الحضور مع فقرات ورقصات من رائعة بيتر تشايكوفسكي "كسارة البندق"، وكما احتفل الأمير الوسيم(كسارة البندق بعد تحولها إلى أمير بفعل سحري غامض) بكلارا التي أنقذته من كتيبة الفئران، وأغدق عليها من صنوف الأطايب والحلويات والقهوة العربية، كذلك احتفى محمد عثمان صديق وفرقته بالجمهور الذي تابعهم منذ انطلاقتهم الأولى(أوركسترا المعهد الوطني) مرورا بانطلاقتهم الثانية (أوركسترا عمان السيمفوني)، أغدقوا عليهم بألوان عزف وألحان وموسيقى فذة في العمل الذي يعد ذروة عبقرية تشايكوفسكي.

ومن اللحن العسكري الهادر وصولا إلى السير الوئيد بين بساتين الخوخ تعريجا على أجواء الشرق في"الرقصة الشرقية" جابت الأوركسترا بتدخلات مهمة للنحاسيات ولمسات مؤثرة لبيانو إيرينا محمد وسحر وجداني للكمنجات على اختلاف حجومها(بما فيها التشيلو والكونتر باص)، جاءت ختام أمسية الاحتفال بالميلاد مسكا ساحر الطعم.

وتحدث مدير المعهد الوطني الأردني للموسيقى د.كفاح فاخوري لـ"الغد" عن تطلعات الأوركسترا المستقبلية بعدما حققته خلال عامها الأول من حضور محلي وعربي وعالمي، يؤكده، بحسب فاخوري، الإقبال الجماهيري المتصاعد على أمسيات الأوركسترا وفعالياتها شهرا بعد شهر وفعالية بعد أخرى.

ورأى فاخوري أن أهم إنجاز يمكن أن تحققه الأوركسترا وصولها إلى شكل من أشكال الاكتفاء الذاتي، بحيث تتكفل حفلاتها بمصاريفها وكلف بقائها واستمرارها.

ومن أهدافهم المستقبلية بحسب فاخوري، ملء الشواغر الموجودة في الأوركسترا بطاقات وكفاءات موسيقية محلية وعربية وأجنبية بشكل دائم وليس كما يحدث حاليا استعارتهم للمناسبات فقط.

وعن دور أمانة عمان قال فاخوري "توفر أمانة عمان ما يسمح لنا بإعطاء منح لفئات المجتمع التي تعد الموسيقى من الكماليات".

وأورد فاخوري أن الفحص الدوري السنوي للعازفين يفرض عليهم البقاء في جو تنافسي مستمر، لأن من يظهر قدرات ممتازة في الفحص العملي يمنح نفسه فرصة التقدم للمقاعد الأمامية في الأوركسترا، ومن يتراجع يمكن الاستغناء عنه واستبداله بطاقة شبابية جديدة، وهو ما يتيح الكشف المتواصل عن الكفاءات الطموحة وتعريف الناس بها واستفادة الأوركسترا منها.

وأشار فاخوري إلى أن تأسيس أوركسترات في عدد من الدول الخليجية (قطر والإمارات نماذجا)، فتح الآفاق أمام العازفين لما تقدمه تلك الدول من رواتب ومكافآت(خيالية) لمن تستقطبهم من كفاءات موسيقية، وهو ما يحفز العازفين على بذل مزيد من الجهد والسعي للتقدم الدائم.  

وعبر الموسيقي الأردني هيثم سكرية قائد الأوركسترا الوطنية الأردنية التي تأسست بداية من خلال نقابة الفنانين الأردنيين، عن سعادته في هذه المشاركة التي أتاحت له تقديم هذا الجانب الثقافي والفني الراقي في الأردن، حيث إن الجمهور الأردني عرفه من خلال صناعة الأغاني وقيادة الأوركسترا في المهرجانات التي تقدم أغنيات وموسيقى عربية فقط."أما هذه المشاركة فستكون البداية لتقديم أهم جانب إبداعي اعتز به" كما أكد سكرية في اتصال مع جريدة "الغد".

وتضمنت أعمال فيلكس مندلوسن بارتولدي المعروف بفيلكس مندلسون Felix Mendelssohn (3 فبراير 1809 -4 نوفمبر 1847) عددا من السيمفونيات بالإضافة إلى "الكونشرتو" و"الأوراتوريو" وأعمال للبيانو وموسيقى الحجرة. 

وهو من الموسيقيين الألمان الذين تعرضوا لتجاهل شديد من قبل النقاد خلال القرن التاسع عشر نتيجة للتغييرات الكبيرة التي طرأت على موسيقى القرن التاسع عشر خاصا في عصر فاجنر التي اعتبر مندلسون من المتأخرين عنها،ولكن إعادة تقييم أعماله في القرن الماضي والحيادية التي اتخذها معظم النقاد من آراء القرن التاسع كشفت لنا عن أصالته الإبداعية وكيف أنه وبمنتهى الإنصاف أحد أكبر موسيقيي الحقبة الرومانتيكية.

ويعد بيتر تشايكوفسكي بطل تطور الموسيقى الروسية الحديثة وعلم فذ من أعلام الموسيقى الإنسانية الراقية.

وشغل تشايكوفسكي وظيفة قضائية قبل أن يتجه إلى دراسة الموسيقى فتجلى استعداده وبرزت مواهبه حين التحق بمعهد الموسيقى في بطرسبرج، وفي السادسة والعشرين من عمره عين أستاذا بمعهد الموسيقى في موسكو ثم غادرها في رحلات فنية إلى بلدان أوروبا ومنحته جامعة كمبردج دكتوراه شرف في الموسيقى له سلسلة أوبرات مشهورة ومن مؤلفاته الأوركستالية "السيمفونية السادسة" وله ثلاثة مؤلفات خالدة من الباليه وهي"الجمال النائم" و"بحيرة البجع" و"كسارة البندق" وله أيضا عدد كبير من المعزوفات والأغاني القصيرة.

تأسس المعهد الوطني للموسيقى بتوجيه من جلالة الملكة نور الحسين المعظمة من رؤية تسعى الى اعداد وتدريب أجيال من الموسيقيين الرفيعي الكفاءة سنة1986. ومنذ تأسيسه قبل22 عاما، طوّر المعهد الوطني للموسيقى حالة موسيقية مفعمة بالحيوية في المجتمع الأردني، فهو يوفر خبرات موسيقية غنية من خلال خطة في التربية الموسيقية محكمة البناء، وتطوير مجموعات ادائية ذات كفاءة عالية، ورفع الوعي والتذوق الموسيقيين لدى شرائح المجتمع.

كان واضحاً منذ بداية تطبيق برامج المعهد أن إيجاد أوركسترا من الطلبة أفضل وسيلة من أجل تطوير ما يحتاج إليه الطالب من مهارات في الأداء والعزف الجماعي. وقد أدرك أعضاء هيئة التدريس في المعهد أن فرق المعهد الأدائية هي المكان الذي يواجه فيه طلبتهم تحدي الارتقاء إلى مستويات التميز الفني والمهارة الموسيقية التي ينبغي أن تتمتع بها أفضل الفرق الأوركسترالية في عواصم العالم الثقافية. واستجابة لهذه الحاجة، فقد شكلت أوركسترا المعهد الوطني للموسيقى واستمرت من سنة1989 وحتى سنة2006. 

ويتمتع المعهد الوطني للموسيقى بعلاقات متينة مع المؤسسات الموسيقية المحلية والدولية، فهو يحظى بمكانة مرموقة في المحافل المحلية والعربية والدولية.

ومثل جميع مشاريع مؤسسة الملك الحسين، أنشئ المعهد وفي النية استدامته من خلال خدماته التربوية والثقافية.

بدعم من أمانة عمان الكبرى، انطلقت أوركسترا عمان السمفوني من اوركسترا المعهد الوطني للموسيقى وهي بذلك أول أوركسترا سمفوني وطني في الأردن.

وفي أعقاب سلسلة من المقابلات أجريت في شتاء العام2006 لاختيار أعضاء الأوركسترا، قدمت أوركسترا عمان السمفوني باكورة حفلاتها في شهر كانون الثاني(يناير) من العام الماضي.

وأعدت الأوركسترا لهذا الموسم برنامجاً منوعاً من الحفلات الموجهة إلى الكبار والصغار على حد سواء، تقدم في ثالث أربعاء من كل شهر.  وتسعى الأوركسترا إلى رفع عدد أعضائها إلى100 عازف وعازفة لتصبح خلال السنوات الخمس المقبلة أوركسترا عمان الفلهارموني. ويقوم المعهد الوطني للموسيقى بالإشراف على هذه الأوركسترا إداريا وفنيا.

بدأ قائد الأوركسترا محمد عثمان صدّيق دراسة البيانو في سن السادسة، وحصل بعد إنهائه شهادة دبلوم البيانو من مدررسة الموسيقى والباليه في بغداد على منحة للدراسة في أكاديمية جينسيس في موسكو وهناك أنهى درجة الماجستير في البيانو والقيادة.

وعيّن صدّيق العام1991 قائدا للأوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية ونال في الفترة نفسها الجائزة الأولى في مسابقة التأليف الموسيقي في بغداد

انضم في العام1994 إلى هيئة التدريس في المعهد الوطني الأدرني للموسيقى متوليا تدريس البيانو والمواد التطبيقية الموسيقية في الفرعين التحضيري والعالي وذلك إلى جانب قيادة أوركسترا المعهد ويشغل حاليا وظيفة المدير المساعد للشؤون الأكاديمية.

ولصدّيق عديد المؤلفات الموسيقية التي انتشرت في العراق وسورية ولبنان والبحرين والكويت والجزائر والولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وكوريا الجنوبية وبريطانيا وتركيا وفرنسا إضافة إلى الأردن.

نال الجائزة الكبرى في المسابقة السادسة للأغنية العربية في القاهرة عن قيامه بتوزيع أغنية أردنية، كما حصل على الجائزة الأولى عن أغنية من ألحانه شاركت في مهرجان الأغنية الأردنية الثاني في العام2002.

وقاد صدّيق(القائد المقيم لأوركسترا عمّان السيمفوني)، بوصفه قائدا زائرا، العديد من الفرق الموسيقية: أوركسترا بروخسال السيمفوني، أوركسترا القاهرة لموسيقى الحجرة، الأوركسترا السيمفونية السورية وأوركسترا السلام في فرنسا وغيرها. 

التعليق