"مهزلة دلتا": حرب العراق كوميديا

تم نشره في الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007. 10:00 صباحاً

 

القاهرة- لطالما كانت أجواء الجيش موضوعا مثيرا للكوميديانات عربا وعالميين، فنظامه الصارم يثير شهية أي كوميديان لخلق المفارقة الكوميدية، بين سلوكه غير المنضبط والعصي على التأقلم وبين الأوامر غير القابلة للكسر أو حتى المراجعة والمواعيد الدقيقة والتدريبات الشاقة، وبين رحابة الحياة المدنية وقيود الحياة العسكرية.

ومن النادر العثور على فيلم كوميدي عربي أو عالمي اختار الجيش بيئة لحدثه شذ عن هذه القاعدة، فمن (إسماعيل يس في الجيش) إلى (عبود على الحدود) عربيا ومن (الشارلو في الجيش) إلى (مهزلة دلتا) عالميا، مروراً بكل الأفلام الكوميدية التي أنتجت وصورت داخل القطاعات العسكرية أو في معسكرات التدريب التابعة للجيوش أو في الحروب، تكاد تكون الأحداث التفصيلية لهذه الأفلام منسوخة، بفروقات طفيفة، عن بعضها البعض، في المواقف التي تخلق المفارقات الكوميدية وتولد حالة الضحك.

فالكوميديان (العربي أو الأجنبي) يظهر باستمرار وهو يعاني من النظام الغريب الذي وجد نفسه فيه، فيتأخر عن الاستيقاظ مبكرا، ويكاد يكون الفرد الوحيد في مجموعته الذي لا يتقن أداء التدريبات أو التمارين العسكرية أو يتقاعس عن أدائها، ويحاول الاحتيال عليها، ولذلك فهو يعاني دائما من المشاكل مع رؤسائه الذين يعلونه رتبة، وهو الوحيد في الفيلم الذي يخضع للعقوبات، وينفذها بطريقة مثيرة للضحك، ورغم كل ذلك فهو الذي يستطيع في النهاية أن ينجز عملا بطوليا يستحق عليه في نهاية الفيلم تعليق وسام على صدره.

وعلى الرغم من اختلاف مواضيع الأفلام الكوميدية التي صورت في أجواء عسكرية، إلاّ أن هذا التسلسل للأحداث يكاد يتكرر في كل الأفلام التي قاربت موضوع الجيش كوميديا، وأقسى نقد يوجه للمؤسسة العسكرية في الأفلام الكوميدية يمرر عادةً من خلال إظهار شخصية ضابط أو مدرب باعتبارها غريبة الأطوار أو مبالغة في الانضباط، ولا يختلف فيلم (مهزلة دلتا) Delta Farce في بنيته العامة عن هذه الكليشيه الجاهزة التي تطبع أغلب، إن لم أقل كل، الأفلام الكوميدية التي اختارت البيئة العسكرية موضوعاً أو أجواء لها.

لكن ما يميز (مهزلة دلتا) عن سواه من أفلام الكوميديا العسكرية، إن صحت التسمية، أنه يوجه نقدا للرؤية السياسية التي تقف خلف عمل الجيش وتملي عليه الأوامر، من خلال قصة ثلاث شخصيات يدفعها إحباطها في الحياة المدنية للالتحاق بالجيش، وبسوء فهم ينسحب على كل أحداث الفيلم، ويولد مفارقاته المضحكة يجدون أنفسهم على وشك الترحيل إلى العراق للمشاركة في معارك الجيش الأميركي في الفلوجة، وخلال رحلتهم الجوية يلقى بالشخصيات الثلاث الذين كانوا ينامون داخل إحدى السيارات العسكرية في الطائرة مع بعض العتاد من الجو للتخلص من حمولة زائدة بسبب مشكلات تواجه طاقم الطائرة، ويسقط معهم مدربهم القاسي الذي كان صاحب قرار نقلهم إلى العراق. ورغم أن المجموعة تسقط في المكسيك، إلاّ أنها تتخيل بعد استيقاظها من النوم ولوقت طويل أنها في العراق، وعبر خطابهم الذي يرددونه طوال الفيلم باعتبارهم الجنود القادمين لمنح الحرية والديمقراطية للشعب العراقي وتخليصه من الديكتاتورية.

يقدم الفيلم نقدا لسياسة الإدارة الأميركية في تلقينها الببغاوي للشعارات التي بنيت عليها حملة غزو العراق واحتلاله، وللأميركيين من خلال شخصيات الفيلم الثلاث التي تتميز ببساطة تصل إلى حد البلاهة الذين صدقوا وآمنوا بتلك الشعارات من دون مناقشة، لكن الفيلم يقدم صورة فيها كثير من القدسية للجيش الأميركي، عبر خطاب تلك الشخصيات الثلاث التي تقرر بعد معرفتها بأنها في الأراضي المكسيكية وليس العراقية، مساعدة سكان بلدة نائية من سيطرة عصابة مسلحة عليها، باعتبار أن الجيش الأميركي جاهز لمساعدة المدنيين الآمنين في أية بقعة من العالم، في مواجهة أي خطر إرهابي، وهو ما يظهره الفيلم أيضا في نهايته سواء عبر وصول الإمدادات العسكرية الأميركية لمساعدة جنوده الثلاثة مع مدربهم، في القضاء على العصابة التي تهدد البلدة المكسيكية، أو عبر تعليق الأوسمة على صدور الجنود الأربعة الذين شاركوا في إنقاذ البلدة المكسيكية.

هذا على مستوى الخطاب السياسي للفيلم، أما كوميديًّا فـ(مهزلة دلتا) فيلم بسيط أهم عناصره هو السيناريو الذي في غياب وجود ممثلين كوميديين مهمين يمتلكون حضورا وموهبةً، استعيض عنهم بأدوات منفذة لشخصياته وكوميديا مصنعة وتبذير إنتاجي، غاب ألقه وضاعت لمعاته وسط الضوضاء الحركية والإنتاجية التي سيطرت على صورة الفيلم، وحولته من سيناريو لطيف إلى مهزلة لا ترقى إلى مستوى الكوميديا. 

التعليق