عبق الذكريات العمّانية يفوح مع رائحة حبيبات البن المحمصة في قهوة أبو عيسى

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 09:00 صباحاً
  • عبق الذكريات العمّانية يفوح مع رائحة حبيبات البن المحمصة في قهوة أبو عيسى

 

فريهان الحسن

عمّان- تحتل قهوة أبو عيسى ركنا حميما لدى فنانين وكتاب ومسؤولين حكوميين وسائقي مركبات عمومية، إذ يحرص كثير من هؤلاء على أن يبدأوا نهارهم أو يختتموه باحتساء قهوة جعلها صاحبها، الذي ارتحل قبل عامين، واحدة من ملامح عمّان وجزءا من ذاكرتها.

ويروي الشاب فراس قصة والده أبو عيسى، بائع القهوة الشهير الذي يقع محله في شارع الأمير محمد في وسط العاصمة، إذ يأتيه الناس من أماكن بعيدة ليتذوقوا قهوته التي تمتاز عن سواها بإعدادها على الفحم.

يقول فراس إن بدايات والده مع بيع القهوة كانت في سوق اليمنية في شارع طلال في العام 1949، من خلال عربة صغيرة كان يدفعها ويتجول بها في شوارع عمان، واضعاً عليها القهوة ذات المذاق المميز ليبيعها للناس.

ونزح أبو عيسى، الذي توفي في العام 2005 عن عمر يناهز 84 عاما، بعد نكبة فلسطين في العام 1948 مغادرا مدينته حيفا بعد أن احتلها الغزاة.

وفي نفس العام افتتح أبو عيسى الفرع الرئيسي في شارع الأمير محمد في محل لا تزيد مساحته على 4 في 4 أمتار، وهو مزدحم دائما بزبائنه، المختلفين باللون والشكل والمنحدرين من جميع الطبقات، والذين يأتون للاستمتاع بطعم قهوته الشهيرة.

يقول فراس إن ما يميز هذا المكان هو "البساطة المتبعة في تقديم القهوة"، إذ يقصد الزبون محل أبو عيسى ليطلب قهوته بكمية السكر التي يفضلها، والتي تصب في كاسات بلاستيكية صغيرة تفوح منها رائحة لا تضاهى.

وعن سر الخلطة التي تميز قهوتهم، يقول "لدينا مشغل خاص لصنع القهوة، إذ تحمص القهوة عند محلات السكافي للقهوة، ثم تصنع في مشغلهم وتغلى على الفحم الذي يزيد من النكهة الطيبة باستخدام أجود أنواع الهيل".

ويتابع "أهم ما يميز قهوتنا النفس الطيبة التي ورثناها عن والدنا، وهو ما يزيد هذه النكهة طعما خاصا وارتياحا لجميع متذوقيها"، إذ كان الراحل أبو عيسى يعد القهوة بنفسه في الصباح الباكر "بكل استمتاع ونفس طيبة"، كما يقول ابنه، وكان يتذوقها دائما قبل أن يقدمها للزبائن ليتأكد من طعمها المميز، و"قد تعلمنا أنا وإخوتي وورثنا عن والدي كل هذه الأمور بسبب تواجدنا إلى جانبه باستمرار".

ويشير فراس إلى أن "زبائننا القدامى يواصلون حتى الآن المجيء إلى المحل ليشربوا القهوة يوميا"، إذ كان أحد الزبائن يقول لوالدي "كان جدنا يأخذنا إلى هذا المكان ومن ثم والدنا، ومن ثم أصبحنا نحن نأخذ أولادنا"، مضيفا "مثل هذا الكلام الذي كنا نسمعه دوماً يشعرنا بسعادة بالغة".

ويذكر فراس بأن زبائن محلهم هم من "رؤساء الوزراء وكبار الموظفين وعلية القوم وكبار التجار وسائقي سيارات الأجرة الذين يقدرون نكهة قهوته المميزة"، كما يشير فراس إلى أنهم يتلقون طلبات عدة من كبار المسؤولين، وذلك لتزويدهم بالقهوة في شتى المناسبات، مثل الأفراح والاتراح والمناسبات الاجتماعية والجاهات والأعياد، مشيراً إلى أنهم تواجدوا في بعض المقرات الانتخابية بناء على طلب المرشحين في الانتخابات التي جرت الثلاثاء الماضي لاختيار أعضاء مجلس النواب الخامس عشر.

ويشير فراس إلى أن بعض المكاتب السياحية في عمّان تضع من ضمن أنشطتها السياحية زيارة السياح لمحلهم "لكي يشربوا القهوة على أصولها، وليروا الأماكن القديمة التي مرت عليها عشرات السنين"، مضيفاً أن لديهم فرعين آخرين في شارع وادي صقرة وشارع طلال.

وتتمتع القهوة، حسبما يقول خبراء، بمزايا عديدة أبرزها مركب "البوليتينول" وهو مركب مضاد للتأكسد يحمي أنسجة الجسم، كما يحمي خلايا الجسم من الهرم ويحافظ على حيويتها.

وتحتوي القهوة على نسبة بسيطة من الفيتامينات بخاصة فيتامين ب، بحسب خبيرة التغذية ربى العباسي من مركز الأردن للسكري، والتي تضيف "كلما غليت القهوة جيدا يزداد تركيزها، وبالتالي تزداد نسبة (البوليتينول) المفيدة للجسم فيها"، مبينة أن القهوة تحتوي على "مركبات طيارة مفيدة للجسم، إلا أن التسخين والتحميص لحبيبات القهوة، وتعريضها للحرارة الزائدة يؤدي إلى تقليل فائدتها".

بيد أن العباسي تحذر في الوقت نفسه من "مخاطر الإفراط في شرب القهوة، لاحتوائها على مادة الكافيين والنيكوتين التي تؤثر سلبا على الجسم"، كما تحذر الحوامل والمريضات والذين يعانون من أمراض الكلى من الإفراط في شربها لاحتوائها على النيكوتين.

وتبين العباسي أن "فنجانا واحدا من القهوة يحتوي على 150 ملغم من الكافيين"، مشيرة إلى "دراسات أفادت بأنّ تناول القهوة يسبب زيادة في الوزن بسبب تخزينها للدهون، بخلاف ما يعتقده بعض الأشخاص بأن القهوة لا تسبب السمنة وتعطي شعورا بالشبع".

وتشير العباسي إلى أن القهوة العربية السادة، التي تحتوي على كمية كبيرة من الهيل، تملك مضاراً أقل من القهوة العادية، مبينة في الوقت ذاته أن "القهوة السادة لا تناسب الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في القلب، لأنها تزيد من سرعة دقاته".

وتعد اليمن وشرق أفريقيا وأرخبيل إندونيسيا وبابوا وغينيا الجديدة، إضافة إلى البرازيل وأميركا الوسطى وجزر هاواي، من أبرز اماكن زراعة البن.

ويعد البن ثاني أكثر سلعة يتم تبادلها عالمياً بعد النفط، كما تعد اليمن أبرز المنتجين العرب لمادة القهوة، غير أن ظهور منتجين جدد للبن في العالم مثل البرازيل والمكسيك ساهم في هبوط الإنتاج اليمني.

ويبلغ ارتفاع شجرة البن قرابة ستة أمتار، وتقلم باستمرار حتى لا تصل أكثر من أربعة أمتار، كما تتميز أزهار شجرة البن بلونها الأبيض وثمارها الحمراء، فيما تستكمل الشجرة نموها في ستة أعوام.

وبلغت كمية الاستهلاك المحلي من القهوة للعام 2005 حوالي 9 مليون كيلوغرام، بقيمة 7.4 مليون دينار، أما في العام 2006 فبلغت كمية الاستهلاك من القهوة 10.1 مليون كيلوغرام، بقيمة 10 مليون دينار، بحسب دائرة الإحصاءات العامة.

التعليق