الطفلة الضحية

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 09:00 صباحاً

قصة: عمر تيسير شاهين

كانت الفرحة لا تغادر وجه الطفلة وردة، فهي الطفلة العصفورة كما يحلو لبعض صديقاتها في الشارع أن يسمينها، لكثرة حركاتها ولهوها، فهي تنتقل من فتاة الى أخرى وتلعب معهن، فكل ما يخطر على بالها، خاصة أنها تتقن عشرات اللعب الحركية الخفيفة التي يمارسنها الفتيات في اللعب.

هكذا هي لا تمل من الضحك والفرح، تحول بيت جدها الى ساحة للعب ومصدر للضحك حتى أن زوجة خالها نصحتها مازحة:

يجب أن تتعلمي أن تكوني ممثلة مسرحية وأؤكد لك أنك سوف تنجحين بلا شك.

والحال لا يدوم فوردة لم تعد كما كانت، ولا تبدو عليها علامات أي مرض أو مشاكل في المدرسة، تجلس دوما وحيدة ولا تبتسم إلا نادراً ولاحظت الكثيرات من صديقاتها أن ضحكتها مصطنعة.

الصديقات حاولن كثيرا أن يستدرجنها ليساعدنها في حل مشكلتها، ولكنها ظلت صامتة دون أن تجُيب.

ظنت الصديقات أن مشكلتها مادية فعرضن عليها بعض النقود من حصالاتهن الخاصة، ولكنها أخرجت لهن من محفظتها مبلغا من النقود وقالت:

- شكرا لكم، ولكني غير محتاجة وأملك ما يكفيني.

صار منظر وردة يُثير حزن صديقاتها، فلم تغادر ضحكتها المعروفة وحسب بل صارت تُكثر من البكاء، إذن ما الحل؟ يجب أن يساعدوها فهي لطالما كانت الصديقة المخلصة لهن.

ذهبن إلى معلمة العربي يخبرنها بالموضوع، وهي مثلهن كانت تشعر بحيرة لتغير وردة حتى أن مشاركتها في الحصص صارت شبه معدومة، وعلاماتها تنخفض بشكل سريع عن ذي قبل.

المعلمة استدعت وردة، وحاولت أن تستفسر منها عن السبب لتغير سلوكها، وتراجع علاماتها فرفضت وردة أن تجيب بأي بكلمة وراحت تبكي بحرقة.

المعلمة قالت مرحبة بالفكرة:

- حسنا سوف أزور اليوم والدتك لأطلعها على الأمر، وأحاول أنا وإياها أن نعالج المشكلة.

وردة بكت وهي تصرخ:

- لا أرجوك يا معلمتي، فالمشكلة ليست مني بل من البيت ولن تستقبلك أمي أو أبي بشكل لبق.

- ولماذا يا وردة فأنا أعرفهما، وتجمعني وإياهما علاقة جيدة؟

- والدي وأمي سوف ينفصلان، ولقد توسط الرجال الكبار دون أن يصلوا لأي حل، ويجب علي أن أختار واحدا منهما لأكمل باقي حياتي دون أم أو أب وكأني يتيمة.

صديقاتها بكين بحرقة وكذلك المعلمة، لأنهم يعرفون ماذا يعني أن يُحرم طفل من أحد أبويه.

حاولت المعلمة أن تعيد علاقة الزوجين دون فائدة، حتى الصغيرات ذهبن للوالد يرجونه أن يغير قراره، ولكن الانفصال حدث، واختارت وردة أن تعيش مع والدها الذي سافر الى بلدة أخرى، ووصلت لصديقاتها رسالة من وردة تخبرهن فيها أن تتلقى معاملة سيئة من زوجة والدها وأنها رسبت هذا العام وستعيد سنتها الدراسية مرة أخرى.

بنات الصف شعرن بحزن كبير جدا، فوردة كانت الأولى على صفها وترسب، يا لمصيبة هذا الحدث.

خرجت كل من تعرف وردة في المدرسة أو الشارع وتوجهن الى المحكمة وهن يحملن ورقا كبيرا مكتوبا عليه أرجوكم لا تنفصلوا عن بعضكم أيها الآباء والأمهات فنحن سنكون الضحية أرجوكم لا تقتلوا طفولتنا، نحن أبرياء لا نستطيع أن نواجه هذه الحياة دونكم.

كل من في المحكمة عدل رأيه وهو ينظر الى الصغيرات، حتى القاضي طلب من مصور المحكمة أن يصورهم ليضع تلك الصورة عنده في المكتب على الأزواج وهم يفكرون مليا في مصير أبنائهم عندما يقررون الانفصال.

التعليق