من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته

تم نشره في الأحد 23 أيلول / سبتمبر 2007. 09:00 صباحاً

بسام ناصر

ثمة صنف من الناس، حبب الله إليهم السعي في قضاء حوائج المسلمين، والاجتهاد في بذل وسعهم لتفريج كربات المكروبين، والتنفيس عن المهمومين، تلك صفة يحبها الله ويرضى عن فاعليها، ذلك أن "خير الناس أنفعهم للناس" -كما في الحديث الحسن-، والمؤمن بطبعه -كما في الحديث الصحيح- يَألف ويُؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أُطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي".

قال الإمام النووي -في شرحه على صحيح مسلم-: "قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى، والمراد العبد تشريفاً للعبد وتقريباً له، قالوا: ومعنى "وجدتني عنده" أي: وجدت ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: "لو أطعمته لوجدت ذلك عندي"، "لو أسقيته لوجدت ذلك عندي" أي: ثوابه..".

فرق كبير بين من يرى مكروب مهموم، نزلت به المحن والمصائب والفواجع، فيخف لمعونته، ويسارع إلى مساعدته، بما يستطعيه ويقدر عليه، وبين من يكون مقتدراً على ذلك إلا أن نفسه تضيق عن فعل ذلك، ويده تنقبض عن بذل شيء من المال، يكون في ذلك تنفيس الكربات وتفريجها.

في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خُفَّه ثم أمسكه بفيه ثم رَقِي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً، قال: في كلِّ كبد رطبة أجر.

فإذا كان الله سبحانه -كما قال بعض أهل العلم- قد غفر لمن سقى كلباً على شدة ظمئه، فكيف بمن سقى العطاش وأشبع الجياع وكسا العراة من المسلمين؟ وكيف بمن تفقد أحوال المسلمين، وسعى في قضاء حوائجهم، وتفريج كرباتهم، وإزالة همومهم وغمومهم؟ إن الله تعالى يلقي محبة أولئك "جابري عثرات الكرام"، في قلوب العباد فيكثرون من الدعاء لهم، والثناء عليهم، وحمد صنيعهم، وشكر جميل كرمهم.

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيام، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". في هذا الحديث بيان "فضل إعانة المسلم -كما يقول النووي- وتفريج الكرب عنه، وستر زلاته ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه، أو مساعدته والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته".

الاشتغال بقضاء حوائج المسلمين، وإعانتهم والقيام على مساعدتهم، وتقديم يد المعونة لهم، لا يقوم بها إلا من امتلأ قلبه يقيناً بما عند الله، وطمع فيما وعد الله به عباده المحسنين، فالجزاء من جنس العمل، فمن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة.

إن كرب يوم القيامة شديدة شاقة عسيرة، تحبس على الناس أنفاسهم، وتضيق عليهم صدورهم، جاء وصف بعض تلك المشاهد فيما حدثنا به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم من حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله يقول: تُدْنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال سُلَيْم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل: أمسافة الأرض أم الميل الذي تُكْتَحَل به العين، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حَقْوَيَهْ، ومنهم من يُلْجمُهُ العرق إلجاماً، قال وأشار رسول الله بيده إلى فيه.

أليس سماع مثل هذه الأحاديث التي يتكفل فيها الرحمن بهذا الجزاء العظيم، لكل من يسعى في تفريج كربات المسلمين بأي سبب من الأسباب، يكون حافزاً للمسلمين -كل بحسب وسعه وطاقته- إلى الاجتهاد في مثل ذلك اللون من الأعمال؟ ويدعو أصحاب المسؤولية والقرار إلى التخفيف عن المسلمين ما يرهق كاهلهم ويعنتهم ويشق عليهم؟. ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

التعليق