تجديد التوبة والعهد مع الله

تم نشره في السبت 15 أيلول / سبتمبر 2007. 09:00 صباحاً
  • تجديد التوبة والعهد مع الله

 

بسام ناصر

يحلُّ علينا شهر رمضان، بكل خيراته وبركاته ونفحاته، ليحرر أرواحنا من أغلال الدنيا بشهواتها وزخارفها وزينتها، وليقدم لها غذاءً يلبي أشواقها المتحرقة للعيش الهانئ في أفياء خالقها، ولتنعم ببرد السكينة والطمأنينة في كنف بارئها وموجدها من العدم، في رمضان ينجذب المؤمنون بإقبال طوعي إلى بيوت الله، حيث رحمات الله ومغفرته تتنزل على عباده الطائعين القائمين، ويستشعرون فيه لذة الاتصال الاستثنائي بالرب سبحانه، فأيام رمضان ولياليه مواسم خير وبركة، تتضوع منها روائح المغفرة والفضل الإلهي والعتق من النار.

كيف يجعل المسلمون من رمضان موسماً يفيئون فيه إلى ربهم؟ فينخلعون من معاصيهم، ويتوبون من تقصيرهم، ويستدركون ما أسلفوه من تفريطهم في جنب الله سبحانه؟ مجددين في كل ذلك عهدهم مع الله. في بداية القول لابد من استشعار واستذكار نعم الله العظيمة الجليلة علينا، وفي هذا المقام فانه لابد من معرفة ما لله تعالى علينا من فضل ومنة، فنحن والناس جميعاً نتقلب في نعمه صباح مساء، فأولى نعمه على الخلائق جميعاً إيجادهم من العدم، والإنسان ـ كاسم جنس ـ حاله في ذلك كما ذكر سبحانه بقوله: "هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا*إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا" (الإنسان: 1-2).

وتلي تلك النعمة نعمة أخرى ألا وهي التهيئة والإعداد، فكل مخلوق قد خلقه الله تعالى، وهيأه لما تقوم به حياته، وفي ذلك يقول تعالى: "قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" [ طه:50]، أي ـ كما يقول القرطبي في تفسيره ـ أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به؛ على قول الضحاك على ما يأتي. {ثُمَّ هَدَى?} قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: أعطى كل شيء زوجه من جنسه، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وعن ابن عباس: ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهَداه لما يصلحه.

وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورة؛ لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديراً. وقال الشاعر:

وله في كلِّ شيءٍ خِلْقَةٌ  ***   وكذاك الله ما شاء فعلْ

يعني بالخلقة الصورة؛ وهو قول عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كل شيء خلْقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل: أعطى كل شيء ما ألهمه من علم أو صناعة. وقال الفراء: خلق الرجل للمرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث، ثم هدى الذكر للأنثى. فالتقدير على هذا أعطى كل شيء مثل خلقه.

والآية بعمومها - كما يقرر القرطبي- تتناول جميع الأقوال وهو قول ابن عباس. أما ثالث تلك النعم فهي نعمة الإمداد، فالخلائق كلها محتاجة إلى الله تعالى في كل حال، وهي لا تنفك عن ذلك طرفة عين، فهو سبحانه الغني عن جميع الخلائق، وغناه غنى ذاتياً، وفقرها فقراً ذاتياً ملازماً لها، كما ذكر الله ذلك بقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" (فاطر:15).

تلك بعض نعم الله الجليلة على الناس، وهم لن يبلغوا بأعمالهم مهما عظمت وتكاثرت، درجة حق القيام بشكرها، ولن تكون ثمناً مكافئاً لما أولاهم به من النعم، ولما سيمنُّ به عليهم من إدخالهم جنته، وحالهم في ذلك ما ذكره الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله -  وهو في الصحيحين وغيرهما - : "لن يُدخل أحداً منكم عملُهُ الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة".

فهل يليق بالعباد المفتقرين إلى ربهم، والمتقلبين في نعمه آناء الليل وأطراف النهار، أن يقابلوا تلك النعم الإلهية السابغة، بالشرود عنه، والفرار منه ومن أوامره، والإعراض عن أحكامه؟ وهل يصح من العباد أن يغتروا بحلم الله فيوغلوا في معصيته والتنكر لحقوقه عليهم وهو القادر لو شاء على عذابهم عذاباً استئصالياً لا يبقي لهم معه ذكر ولا وجود؟

غير أن حكمته سبحانه اقتضت أن يؤخر العذاب لتتم حكمة الخلق والابتلاء، كما قال سبحانه: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا" (فاطر:45).

 

إن العباد إذا ما استشعروا تلك النعم على وجهها الحقيقي، وتفكروا في مدى حاجتهم الدائمة لربهم وافتقارهم إليه، فانهم سيجتهدون في سلوك ما يرضيه، ويقربهم إليه، وشهر رمضان فرصة سانحة لمزيد من التقرب إلى الله تعالى، ولتجديد العهد معه سبحانه، والإقبال على طاعته، ولنتذكر ما أخبرنا به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ليكون لنا حافزاً إلى مزيد من الاشتغال بالعبادة والطاعة والتقرب منه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال قال الله عز وجل: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أقبل يمشي أقبلت إليه هرولة" (متفق عليه واللفظ إحدى روايات مسلم).       

كاتب أردني

التعليق