"احتمالات طفيفة" لـ محمود شقير: قصص تدين المؤلم وتنتقد صانعيه

تم نشره في الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2007. 10:00 صباحاً
  • "احتمالات طفيفة" لـ محمود شقير: قصص تدين المؤلم وتنتقد صانعيه

 

  بيروت- في مجموعة الكاتب الفلسطيني محمود شقير"احتمالات طفيفة" قصص مما يسمى القصير جدا، او "البرقي" عند البعض.. يقوم بعضها على اليومي، وبعضها ينطلق منه الى نسيج فيه غرابة واتهام وسخرية وادانة يبدو بعضها في شبه رمز.

  بعض ما يرويه شقير يرد في سطور قليلة لكنه احيانا وعلى رغم ذلك يحمل ما يجعله قصة قصيرة تقول اكثر من سطورها. ويبدو قسم اخر منه كأنه لوحة لمشهد انسلخ عن قصة اكبر منه واكثر شمولا. ونجد في بعض النماذج ما يجعل الواحد منها يبدو كأنه مخطط لقصة او اجزاء من قصة اخرى واحيانا تصورات لاحوال او احداث تحتمل التطوير في اكثر من اتجاه واحد. الا نها في كل ذلك تعكس قدرة على القص والتصوير والسخرية المؤلمة والمتألمة.. وغالبا تقول الشيء الكثير.

  وقد حملت صفحات الكتاب التي بلغت 251 صفحة متوسطة القطع حوالي130 قصة من هذا النوع الشديد القصر الذي راوح بين ثلاثة اسطر في اقصره، وصفحة واقل من نصف صفحة في النماذج الطويلة منه. وصدرت المجموعة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

  يلتقط شقير خيوطا وألوانا من الحياة ومن اليومي العملي منها احيانا ويرسم به جوا فيه حالات نفسية وعقلية مختلفة.. ويترك للقارئ في احيان كثيرة ان يشترك في دفع هذه الخطوط والالوان في اتجاهات قد تبدو لهذا القارئ متعددة وغير محدودة.

يكتب المؤلف بلغة حية شعرية ومتحركة بل قد تكون متوترة نزقة في بعض الحالات.

  ينطلق الكاتب من الواقع اذن وما فيه من احداث ومعتقدات وتراث مثلا.. لكنه يدفع ما يأخذه منه في طرق قد تدفعنا في اكثر من اتجاه. نبدأ معه بقصة "في الطائرة" التي تأتي على الصورة التالية:

"في الطائرة التي حملتهما الى خارج البلاد قرأ صفحات قليلة في نص مسرحي كئيب. قرأ عشرين صفحة عن الفارس الذي يقطع الفيافي والسهوب. في الطائرة تناولا طعاما خفيفا خشية اضطراب في المعدة. تبادلا كلمات قليلة لان دوي محرك الطائرة يقلل الشهية للكلام ،استمعا الى الموسيقى من محطتين مختلفتين. راقبا حركة المضيفات قالت انهن لسن جميلات، قال ان جمالهن باذخ، لم يعجبها ما قاله، ظلت تقلب في رأسها خواطر شتى ثم نامت في مقعدها.. وهو في مقعده نام".

  بعض القصص تنبئك في خطوط سريعة وخفيفة بما يجري في العالم الفعلي لتنقلك منه الى حالة مثل الحلم حينا او الى حدث متوقع من احداث محتملة يتضمنها نص القصة. اما المكان في القصة فملامحه غير اكيدة وان كانت تنقلك حينا بين فلسطين وبين روسيا او غيرها.

  في "على غير ميعاد" نقرأ ما يلي: "التقيا على غير ميعاد في بيت الاستاذة الجامعية. فوجئت به الاستاذة وهي تراه واقفا بالباب، كانت تتوشح بمئزر يغطي صدرها وبطنها وفي يدها سكين المطبخ. قالت.. جسدي مسكون برائحة البصل وابني يعود بعد قليل من المدرسة، اعتذرت منه وبعد لحظات جاءت صديقتها الممثلة، تعانقت المرأتان عند الباب. قالت..انا انتظر ابني الذي يعود بعد قليل من المدرسة وهي لا تدري ان الجنود يطوقون المدرسة الان. بعد نصف ساعة خرجا، سارا في اتجاه واحد وبدا انهما راغبان في اطالة الطريق غير انهما افترقا بعد عشرين دقيقة وهما يشعران انه لابد من لقاء ثان".

  ويصل الواقع احيانا الى حال من الغرابة كما في "مصادرة" حيث نقرأ

"خلعت قبعتي استعدادا للدخول، خلعت درعي الذي يصد عن صدري الرياح، الرسالة في يدي وساعي البريد يسلمني جوابا عن رسالتي التي لم اضع عليها الطوابع بعد".

  في قصة "ظهيرة ما" الواقعي المفجع حيث لانهايات كما في التساقط الدائم لصخرة سيزيف وكما في بلد الكاتب.. والشعري التصويري الغرائبي يتضافران لرسم لوحة تطل علينا كأنها عالم صغير غريب حينا او مجرد حالة نفسية حينا اخر.

يقول :"رجل في الخمسين وامرأة في الثلاثين يسيران والجبال لا تلتفت يمنة اويسرة، وثمة عربات للجنود تنتشر في المكان وهما يسيران في السهل الفسيح. قالت.. اريد ظلا، قال.. لم يبق امامنا الا القليل لنصل السفوح الظليلة، سارا ولم يصلا حتى الان. فالجبال تمشي كما لو انها تخشى ان يطوقها الجنود او كأنها تبحث عن شيء ما هنا او هناك".

التعليق