"السويس": من لا يتذكر الماضي محكوم بعدم اتقان التعامل مع الحاضر

تم نشره في الجمعة 29 كانون الأول / ديسمبر 2006. 09:00 صباحاً

 

بيروت - يثير رياض نجيب الريس في كتاب جديد له قضايا واحداثا سياسية مر عليها نصف قرن لكنها في مدلولاتها واثارها لا تزال مفاعيلها وما يشبه انماطها تتردد في منطقة الشرق الاوسط.

ويعرض الريس باسلوب قصصي سلس مشوق وبعقلية مؤرخ موضوعي ما سبق حرب السويس سنة 1956 ويركز على ما اعقبها وهو كثير ومهم شكل احداثا كبرى في المنطقة وفي العالم.

وبكثير من المعلومات الممتعة الموثقة يظهر لنا المؤلف دور الصحافة البريطانية الحرة في احداث التغيير لا في بريطانيا فحسب بل في اماكن اخرى أيضا.

وتبدو أحداث حرب السويس عندما نسترجع بعضها أشبه بمسودة لمشاريع تتكرر بشكل او اخر على مسرح السياسة والاعمال العسكرية في منطقتنا وفي كثير من مناطق العالم.

يخرج رياض نجيب الريس من دراسته هذه بخلاصة مهمة اذ يختم بالقول " تشير أزمة السويس بعد نصف قرن من حدوثها الى نقص في تفسير التاريخ قوامه أن الذين لا يستطيعون تذكرالماضي محكومون باعادته دائما. وقد يكون هذا صحيحا لكن الاصح أن الذين يسيئون تفسير الماضي محكومون بعدم اتقان التعامل مع الحاضر".

جاء الكتاب في نحو 100 صفحة صغيرة القطع وصدر عن دار رياض نجيب الريس للكتب والنشر.

استهل الكتاب بما سمي مقدمة شخصية تحدث فيها عن وصوله الى انجلترا في اغسطس اب 1956 وكان السير انطوني ايدن رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لونستون تشرشل. وكان جمال عبد الناصر رئيسا لمصر وزعيما عربيا كبيرا "وكانت غيوم ازمة قناة السويس والحرب التي تبعتها قد بدأت تتلبد والسماء السياسية مكفهرة... ووجدت نفسي وأنا الشاب اليافع في حدود الثامنة عشرة من العمر...وسط عالم سياسي يغلي بالاحداث الجسام والمتغيرات التي لم يألفها" اذ كانت ثورة الجزائر على الاستعمار الفرنسي في اوجها والثورة على النظام الشيوعي في المجر ومشهد الدبابات السوفييتية وهي تضرب العاصمة بودابست في كل صحف العالم وكانت ثورات التحرر في افريقيا السوداء وحركات الاستقلال من الاستعمار البريطاني والبلجيكي والبرتغالي والفرنسي تنتشر كالنار من شمال القارة الافريقية الى جنوبها ومن شرقها الى غربها.

رياض الصحافي والكاتب والناشر والشاعر في بداياته اضاف يقول انه كان يرصد هذه الاحداث التاريخية الكبرى ويعيش تداعياتها ويتابعها عن طريقين "طريق الصحف قراءة ومتابعة وطريق الصحافيين الذين تعرفت اليهم في حمأة تلك الظروف وشكلوا لي مرجعية ساهمت في اغناء ثقافتي السياسية ووعيي التاريخي". وانضم الى المنظمة العربية الوحيدة في تلك الفترة اي "رابطة الطلاب العرب في المملكة المتحدة وايرلندا" وقد ضمت اعضاء في احزاب جماعات عربية مختلفة. وكانت الاجواء في تلك الايام "اجواء سمحة بين الانجليز والعرب وليس فيها من تشنج هذه الايام". وقد تعرف الى شخصيات بريطانية سياسية وصحافية مختلفة قام عدد منها بادوار مهمة وتوثقت صلاته بعدد منهم. من هؤلاء ايان كامبل المحامي ومدير قسم الابحاث في حزب العمال البريطاني "الذي كان له الفضل في تعريفي بمايكل فوت الذي بدوره عرفني الى اديث سمرفيل وزيرة الصحة السابقة في حكومة العمال والناشطة في الحزب" وكثيرغيرهم. وكان يدعوه وطلبة عربا اخرين الى كل التجمعات الحزبية والنقابية التي تقام ضد حكومة ايدن في لندن لتحشد فيها التأييد لعبد الناصر وكان اهم من تعلق بهم فنر بروكواي النائب العمالي ورئيس حركة حرية المستعمرات "وتكرر ظهوري معه الى درجة ان مجلة جويش كرونيكل اليهودية نشرت صورته معه وهاجمت النائب البريطاني". واعتمد في الكتاب اساسا على الصحف البريطانية "وحكاية ازمة السويس هي حكاية صحافة ذلك الزمان وصحافييه اما المصادر الرسمية لتلك الفترة التاريخية فكثيرة جدا ".

ومن خلال "جريدة محدودة الانتشار في حينه تعرفت على قضيتين اساسيتين تلازمتا زمنا طويلا: تأميم قناة السويس...والعدوان الثلاثي كما اعتدنا ان نسميه".

الجريدة هي مانشستر جارديان التي كانت تصدر في مانشستر لكن" تأثيرها السياسي ونفوذها الدولي كانا أهم وأبعد من أرقام توزيعها".

واضاف ان "هذه الجريدة غير العادية ادت دورا سياسيا اساسيا ان لم يكن خطيرا خلال ازمة السويس بحكم تميز مواقفها المبدئية وتغطيتها المهنية الراقية ومعارضتها لحكومة المحافظين بالاضافة الى وجود اقنية اتصال خاصة بين وزير الخارجية الاميركي جون فوستر دالس ورئيس تحريرها ا.ب. وادزورث".

وفي السبعينيات من القرن العشرين انتقلت الصحيفة الى لندن وصار اسمها "الجارديان" فقط وهي احدى اهم كبريات الصحف الليبرالية البريطانية اليوم وكانت تغطيتها لازمة السويس عدائية ومزعجة الى درجة ان ايدن حاول منع هيئة الاذاعة البريطانية "بي.بي.سي" من نقل ما تكتبه في مجال اقوال الصحف ومنع مندوبها ريتشارد سكوت من التحدث في الاذاعة.

وطرح ايدن مشروع قانون خطير يقضي باستيلاء الحكومة على البي.بي. سي. والغاء استقلالها القانوني اذا تم غزو مصر. الا ان المشروع لم يتحقق "وتناول الكتاب بالتفصيل التنسيق الذي قام بين فرنسا وبريطانيا واسرائيل لغزو السويس بل طموح ايدن الى اسقاط نظام عبدالناصر على رغم انكار هذا الاتفاق في البداية". وتحدث عن الموقف الاميركي الرافض للغزو ونقلت الجارديان عن دالس قوله انه يشعر بانه من الصعب اخلاقيا الدفاع عن هذا العمل الذي لن يتفهمه العالم والذي سيؤدي الى تحطيم الامم المتحدة.

وتحدث الريس عن الاهداف السياسية والاقتصادية الاميركية الخارجية والداخلية التي جعلت الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور يعارض الغزو ويحبطه خاصة بالضغط على بريطانيا ماليا وقد كانت في وضع قريب من الانهيار المالي. من نتائج ذلك كما قال الريس أن "أخذت حجارة الامبراطورية" البريطانية تنهار. فقد ايدن مركزه واستقال. تفككت الجمهورية الرابعة في فرنسا...عندما أضحت اميركا هي القوة العظمى المسيطرة على التحالف الغربي وبدا السعي عند العديد من الاوروبيين نحو ايجاد قوى أوروبية بديلة أصبحت في ما بعد كيان الاتحاد الاوروبي كما نعرفه اليوم.

التعليق