مهن يحبها الأطفال تؤشر على طبيعة تفكيرهم في مراحلهم الأولى

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2006. 09:00 صباحاً
  • مهن يحبها الأطفال تؤشر على طبيعة تفكيرهم في مراحلهم الأولى

الطيار ورجل الإطفاء للأولاد والطبيبة والممرضة للبنات

 

حنان العتال

  عمان- يحلم عمر ابن التسعة أعوام بأن يصبح طياراً حين يكبر، لأنه يحب الطيران. ويقول "أريد أن أشتري زي الطيار وأرتديه لأنني سأكون جميلاً وأنا أرتديه". وبعيدا عن السماء وأجوائها، يرى صديقه أحمد مستقبله على الأرض وتحديدا في ملاعب كرة القدم، متمنيا ان يصير نجما معروفا في اللعبة الأكثر شعبية.

  وترى أم علاء في طفلها ذي الأربعة أعوام أستاذ المستقبل لما في شخصيته من قيادية، وتقول حين يجتمع ابني مع أصدقائه يستهويه إلقاء الدروس عليهم ويحب أن يقودهم ويعلمهم ويفرض شخصيته عليهم. بينما تقول أم سارة أنها ترى من اهتمامات طفلتها أنها ستصبح مصممة أزياء لما لها من اهتمامات في التصاميم وتفصيلات الملابس.

  تقول اختصاصية علم النفس ستيفان كليرجيه في مجلة "فام اكتويل" الفرنسية إن المهن التي يمارسها الكبار تشغل حيزا واسعا في حياتهم، والاطفال يشاهدون ذلك كل يوم، لذا فالمهنة في نظرهم تعادل النضوج. فهم يرون اننا نحن الكبار نقضي أوقاتا طويلة في المكاتب ونتحدث عما نفعل حتى في المنزل. ثم إننا لا نتوقف عن سؤالهم بين الفينة والاخرى عما يرغبون ان يصبحوا في المستقبل، وهكذا يستنتجون بأن من المهم بمكان التفكير بموضوع المهنة.

  وتقول كليرجيه أن غالبية الاطفال يتصورون مهناً معينة يمارسونها، ولكن لماذا يحلمون أن يعملوا في الاطفاء مثلا أكثر من أن يصبحوا مهندسين؟ التفسير بسيط للغاية: فالمهن التي تستهوي الصغار بصورة أكبر معروفة بأزيائها الموحدة الجميلة عادة، الامر الذي يجتذب الاطفال أكثر من أي شيء آخر. وعلاوة على ذلك، فهم يقتدون في الغالب بآبائهم، الذين كانوا حلموا فيما مضى بممارسة مهن كهذه. ومن المعروف أنّ وظائف الطيار والاطفائي بالنسبة للاولاد خصوصا، والممرضة والطبيبة بالنسبة للبنات من المهن المنتشرة كثيرا في أدب الاطفال. لذا، يشعر الصغار بالامان حينما يلاحظون انتشار هذه الحرف في المجتمع على نطاق واسع، فلا يترددون في السير على النهج نفسه.

  كما هي حال أية لعبة تستند الى الخيال، يتيح ابتكار الطفل لمهنة ما كما ترى المتخصصة الفرنسية التعبير عما يجول في خلده من رغبات وأحاسيس. فمن خلال ممارسة دور رجل شرطة أو معلم ذي سلطة، يستطيع الطفل أحيانا تصفية حساباته مع شخص سبق أن ناصبه العداء أو الثأر لمظلمة تعرض لها في المدرسة. وعندما تؤدي الفتاة الصغيرة دور الممرضة أو الطبيبة، فإنها تعمل كإنسانة تعالج وتهتم بالآخرين. وبهذه الطريقة يستعيد الطفل ثقته بنفسه في الفترات التي يساوره الشك بها. وتقمصه دورا ما يسمح له بإشباع رغباته الكامنة التي لا يقوى دائما على البوح بأسرارها. فعلى سبيل المثال، لو صرّح الطفل بأنّه يهوى التعرّف الى عصابة لصوص لأدى ذلك الى وقوع مشكلة مع المحيطين به، لكنه إذا قال إنه يهوى أن يصبح شرطيا، فسيتقبل هؤلاء تلك الرغبة.

  وتقول كليرجيه إنّ صفات البطولة والقوة مثلا لرجال الاطفاء، والرقة وطول البال للممرضات هي معايير خصصها الانسان منذ زمن بعيد ولا أحد يشك في انها تصورات مطمئنة عادة للاطفال إذ تستند على صفاتهم الجنسية في سن تبلورها لتحدد معالم مستقبلهم، لكنها مع ذلك تنطوي على نوع من الانتقاص. فلماذا لا تعمل الفتاة على سبيل المثال الى جانب رجل الإطفاء الشجاع ويعمل الصبي في أجواء الرحمة التي تحيط بالممرضة؟ لكي تتغير القوالب القديمة، ربما على الناس ان يبدؤوا التعود على رؤية النساء يسهمن في جهود الانقاذ والرجال يمارسون مهنة التمريض على نطاق واسع.

  ويقول اختصاصي علم اجتماع التنمية حسين محادين إن البيئة البشرية تعد المكان الأول الذي يتشرب منه الطفل خبراته ومعارفه ومن ثم يبني تفضيلاته، إذ تتأثر خياراته بالمستوى الاقتصادي والأكاديمي والبيئة التي يقطن فيها الأهل سواء كان في الريف أو البادية أو المدينة. وعليه نجد الأطفال أو الشباب يبنون اتجاهاتهم نحو المهن والأعمال المفضلة بناء على الخبرات التي اكتسبوها لسببين: الأول هو اعتقاد الأبناء بتوجيه من الأهل بضرورة الحفاظ على مكانة الأسرة الاجتماعية بناء على الظروف التي يعيشونها. والسبب الثاني هو التوق والرغبة في تعديل أو تغيير المكانة الاجتماعية التي عاشتها الأسرة، كالرغبة بأن يصبحوا مهندسين أو أطباء. ونلاحظ أن كثير من الأهل يدفعون الغالي والنفيس في سبيل تعليم أبنائهم ورفعهم إلى أعلى السلم الاجتماعي.

  وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن مكانة المهن في المجتمع الأردني تتأثر بثلاثة عوامل مترابطة هي الأرقام (الرواتب والدخل) التي تأتي من المهنة ارتفاعا أو انخفاضا، واللقب الذي يسبق صاحب المهنة كالوزير، أو المهندس، أو الطبيب، أو دكتور الجامعة، بالإضافة إلى السلطات التي يتمتع بها صاحب المهنة أثرا وتأثيرا بحيث أن منظومة القيم في المجتمع الأردني تتأثر في حكمها على ملازمة المهنة أو العمل بعدد من الصفات الثلاث التي ذكرت، أو بواحدة منها على الأقل. إذ أن الأعمال في المجتمع عموماً لا تحتوي على الصفات الثلاث. وبالتالي العلاقة طردية بين مكانة العمل على السلم الاجتماعي وبين درجة الاختصاص بأي من المحددات السابقة.

التعليق