يوكو تاوادا: لا فرق بين الشرق والغرب وليس هناك ما يبرر الصراع الثقافي بينهما

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2006. 09:00 صباحاً
  • يوكو تاوادا: لا فرق بين الشرق والغرب وليس هناك ما يبرر الصراع الثقافي بينهما

شاعرة يابانية تحاول أن تجرح العالم البارد بالكتابة

 

حاورتها: نوال العلي

عمّان- تقول الشاعرة اليابانية يوكو تاوادا:

 "داخل المستشفى

بحيرة,أحدق فيها,أجد انعكاس الغابة خلفي

وقعت، في حب الغابة

ليس ثمة شجرة واحدة في الغابة

فأرى السماء خلفها.

السماء، إذ تعكس البحيرة، ترتعش".

بمثل هذا التأمل العميق للذات، وبمشرط صغير اسمه الكتابة تجرح الروائية والشاعرة اليابابنية يوكو تاوادا العالم البارد، تفرك عينيها جيداً قبل أن تبدأ في تذكر أو تخيل أو استحضار الوجود في قصيدة بهذا الحجم فقط، وبهذه القسوة أيضاً.

نشرت تاوادا الحاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراة في الأدب الألماني ثلاثين كتاباً باللغتين اليابانية والألمانية. ترجمت قصصها وشعرها ومقالاتها إلى عدد من اللغات العالمية.

وحصلت وهي المقيمة في برلين منذ العام 1982 والمولودة بمدينة طوكيو في العام 1960 على عدة جوائز أدبية في البلدين، معظمها لأعمالها النثرية. وفازت بجائزة جانزو اليابانية للكتاب الجدد في العام 1991، وقصة "العريس كان كلبـاً"  التي جلبت لها جائزة أكوتاجاوا المرموقة في العام 1993 وهي المعادلة لجائزة Booker or Pulitzer.

كما حصلت على جائزة أدلبرت فون تشاميسو في العام 1996، وهي جائزة ألمانية تمنح للكتاب الأجانب الذين يسهمون في الثقافة الألمانية.

ككاتبة اجتازت سيبيريا من الشرق الأقصى لتعيش في قلب الثقافة الغربية، كيف ترين الآخر؟

هذا سؤال صعب، الآخر وثقافته لا يشكل فرقاً كبيراً بالنسبة للكاتب، إنه كذلك بالنسبة لذوي المهمات المحددة في المجتمع فلو كنت سيدة أعمال مثلاً لفكرت أكثر في الأمر، ولكن في الأدب وخاصة في التاريخ الياباني لعبت المرأة دوراً جوهرياً في بناء الثقافة اليابانية في العصور الوسطى وفي الكلاسيكيات الأدبية اليبانية خصوصا ما بين القرنين الأول والحادي عشر. أعيش في ألمانيا حيث الأدب الكلاسيكي العظيم شيلر وغوتة ولدينا مثل هؤلاء في اليابان فـ"أوراسكا شيكيغو" و "سي شناغو" وامرأتان من رموز الأدب الكلاسيكي الياباني لا أرى أن هناك فرقا كبيرا بين الغرب والشرق وليس هناك ما يبرر الصراع الثقافي بينهما.

-كتبت مرة "أية لغة تحاول تدمير اللغة الثانية التي تعيش معها داخل الجمجمة نفسها. كلما

اشتغلت بحماس على نص ياباني عجزت عن إنشاء نص باللغة الألمانية. أدخل فيما بعد زاحفة بمشقة الى اللغة الألمانية التي لم أعد أعرفها، عمياء وقابلة للانجراح ، أتحسس الكلمات قبل أن أجدني في الكتابة من جديد، وما أن يتم هذا حتى أشعر أني لم أكتب باليابانية أبدا. الكلمات اليابانية ماتت كلها أو بالأحرى أنا التي مت داخل هذه اللغة" كيف استطعت أن تحافظي على تماسك لغتيك، وهل تفكرين الآن بالألمانية أم اليابنية ؟

أكتب بعض الكتب بالألمانية وبعضها باليابانية ولم أترجم أيا منهما شخصيا للأخرى، ليس هناك فرق كبير بين الألمانية واليابانية، بل كان هناك فرق قبل عشرة أعوام مضت حين كنت أكتب الروايات أو القصائد باليابانية، أما بالألمانية كتبت مقالات وأطروحات نظرية، الآن منطقتي التفكير بالألمانية واليابانية تقتربان من بعضهما وكأنهما عالم واحد ربما يوجد القليل من الفرق ولكني أفكر بكل لغة حين أكتب بها.

إذن هناك فرق؟

ليس في الأفكار الجوهرية بل في الأمور الصغيرة فنحن لدينا جملة وجملة أخرى تليها، نختلف في اللغات بالمنطق في الكتابة فلماذا تضع هذه الجملة وليس غيرها بعد تلك أو العكس، وهذا ما تختلف به لغة عن أخرى. لذلك لابد من بناء النص جملة بعد جملة وهناك يكمن الفرق فإذا بدأت التفكير بالألمانية والكتابة بمنطقها فعليك أن تستمر وأحياناً تكسر منطق اللغة الألمانية بمنطق اليابانية وهنا يمكن إبداع تداخل جميل وحداثي. ولكن لابد من الاستمرار بمنطق اللغة نفسها.

-غادرت إلى ألمانيا في بدايات الثمانينيات، كنت صغيرة ومبدعة، فكيف قبلك المجتمع الألماني؟ وما هي الصعوبات التي واجهتك؟

يوجد الكثير من الأجانب الذين يكتبون بالألمانية، هناك أكثر من أربعمائة شاعر أجنبي يكتب بالألمانية، ولكن ليس كلهم معروفين أو مهمين. ولكن الألمان يقبلون أي مبدع قادم من ثقافة أخرى، فهذا السياق جزء من الثقافة الألمانية المعاصرة. أشعر أن القراء الألمان مهتمون كثيراً بالتاريخ الوطني أكثر فأكثر الكتاب الشباب من جيلي كتبوا عن الحرب العالمية الثانية وعن توحيد ألمانيا الغربية والشرقية، وهي مواضيع وطنية ومطروقة في الأدب الألماني الآن، ولكنها ليست من مواضيعي أكتب عن شيء آخر هناك الكثير من الناس يتوقعون من الكاتب القادم من ثقافة أخرى أن يختبر في كتاباته تجربته في الثقافة الألمانية وأنا أكتب عن ذلك مثلما أكتب عن أمور أخرى أيضاً.

-لماذا اخترت الألمانية بالتحديد وليس أي لغة أخرى؟

الإنجليزية ليست مثيرة كثيراً بالنسبة لي فهي دولية ومستهلكة ومتاحة جداً ولكن الألمانية لها طرازها القديم في اللغة والقواعد والمفردات ثمة شيء من نمط تقليدي وقديم والقواعد كأنها كما هي من العصور الوسطى لذلك أفضلها. الفرنسية جميلة ولكن الفرنسيين محافظون وعندما يغير أي مبدع قادم من ثقافة أخرى في القواعد قليلاً أو نمط الكتابة بهذه اللغة يرفضون ذلك من الآخر ويغضبون ولا يقبلون هذا بسهولة، هم ليسوا مجربين في ما يتعلق بالقواعد.

-ولكن هناك الكثير من الكتاب العرب كتبوا بالفرنسية وقدموا إبداعاً مختلفاً. فهل قرأت شيئاً من الإبداع العربي بأي لغة كانت؟

لا أنا لم أتعرف على هذا الأدب، لأني لم أكن مهتمة حقاً بأدب الفرنكفونية كان اهتمامي منصباً على أدب أوروربا الشرقية و الروسي والألماني. ولا بد أن أشير أني أحببت فرانز كافكا فهو كاتبي المفضل.

-ماذا فعل الترحال المستمر بين اللغات في روح تاوادا هل تشعرين أنك وحيدة عزلاء أمام اللغة فالأمر ليس بهذه السهولة من الداخل؟

نعم، لكن ما أن يكتب النص ويفهمه الناس ويشاطرونني فيه يفهمون أفكاري يختلفون أو يتفقون معها أشعر بالقوة وبأني خرجت من وحدتي، ولكني أشعر بالعزلة حين ابدأ الكتابة.

بوجودك هنا في الأردن ماذا تريدين أن تقولي لوسط المثقفين في الأردن؟

أرجوكم أقرأوا المزيد من الأدب العالمي مهما كان مصدره، اقرأوا كل شيء يجده الناس مهماً وأرجوكم أن تكتبوا وتقدموا لنا وللعالم أدباً يمكننا أن نقرأ من خلاله أكثر ونعرف أكثر عن الأدب العربي.

في الواقع لاتخلو المكتبات العربية من الإبداع العالمي ولا ينقص الكتاب القراءة فيه، المشكلة في اهتمام الآخر بترجمة الأدب العربي كما نهتم نحن بترجمة الأدب العالمي، ألا تتفقين مع ذلك؟ ألم يعان الأدب الياباني من المشكلة ذاتها في وقت ما؟

لست واثقة إن كان الأدب الياباني قد وصل للآخر ثمة كتاب بعينهم تم ترجمتهم وتسويقهم، وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على الأدب العربي. فعلى سبيل المثال لدي أصدقاء محاضرون في جامعات الولايات المتحدة يدرسّون الأدب العربي ويلحظون تزايد عدد الطلاب الراغبين بدراسة العربية وأستطيع أن أتخيل أنه في المستقبل سيكون هناك إقبال منهم على ترجمة الأدب العربي وأؤكد أن عدد هؤلاء الطلبة ليس قليلا.

-أنت تكتبين الشعر والمسرح والرواية ولديك عدد من المقالات التي تحمل شيئاًَ من التنظير الأدبي والنقد، ونحن نتحدث عن مابعد الحداثة وعن قضايا التجنيس الإبداعي وتداخل الأنواع، فكيف تنظرين لقضية التجنيس الإبداعي؟

أعتقد أن للنص حياته الخاصة أحياناً أكتب قصيدة وأجدها تتحول إلى رواية وينتج نص بين القصيدة والرواية أو المسرح فلا يمكن أن تضع الحدود بين الأجناس الأدبية وأود ان أقول لنترك النص يفعل ما يشاء.

كأديبة صاحبة ذهن منفتح ومتعايش مع الآخر، ومع ارتفاع صوت العولمة ومحاولة تعميم نظام واحد على العالم، كيف تقرأين ثقافة العولمة؟واجتياح ثقافة الولايات المتحدة للعالم بأسره؟

سيئة(تضحك) الولايات المتحدة متناقضة أتفق معك أن هناك برنامجا لتوحيد الثقافات ولكنها بلد يمكن أن تشهدي فيها كيف تتطور العديد من الثقافات في شخص واحد بحيث يمثلها كلها، وهذا جزء من السياق هناك، أحببتها كبلد بعد أن زرتها، حيث أحسست أني حرة في تقديم ثقافتي وتنوعها ووجدت كثيرين يفهمونني ويقدرون اختلافي. المهم أن خارج الولايات المتحدة وداخلها هناك محاولة للمحافظة على تنوع واختلاف الثقافات، بحيث لا يتحول العالم إلى شكل واحد من الثقافة. ولكني لا أعتقد أنه من الضروري أن أقدم الثقافة اليابانية لأني يابانية كل منا يمكن أن يقدم عددا من الثقافات. ففي حالتي أستطيع تقديم ثقافة اليابان وألمانيا وروسيا وما شاهدته هنا في الأردن فكل شيء أعيشه يتحول إلى جزء مني. ولكن في أميركا التي تمثل التعايش بين ثقافات كثيرة يقدم الأميركي الأصلي ثقافة الأميركي الأصلي، والأميركي الزنجي يعزف موسيقى الزنوج ليس هكذا هو التنوع الثقافي الذي أتفق معه.

هناك من يرى بأن الكتابة مرتبطة بانتظار الإلهام والاستسلام للقريحة، وهناك من يعتقد أنها عمل واشتغال، بهذا المعنى هل يمكن لأي كان أن يكون كاتباً وهل يمكن لأي كاتب أن يكون مبدعاً، ومن أين تأتي أفكار تاوادا؟

أعتقد أن هناك حاجة للعمل على الأفكار وانتظارها أيضاً فأنا أحاول العمل على الأفكار يومياً ولكن عندما لا تأتي لا أستطيع فعل شيء فهي ليست ضمن سطوتي، ولكن لا يعقل أن ننتظرها فقط، لا بد أن نبحث عنها.

-وكيف تبحثين عنها؟

أقرأ الكتب أتحدث إلى الناس أسافر أفكر في ماضيّ الشخصي وماضي بعض من أعرفهم، وأستمر في العمل على سياق النص ما يحتاجه وفي أي اتجاه لا بد أن أمشي أو أبحث أو أقرأ للبحث عن الأفكار.

-تقولين إنك تفكرين في الماضي، كثيرات النساء اللواتي يكتبن عن الماضي، هل الماضي والحديث عنه فكرة أقرب للأنثى في الكتابة، نحن لانسمع الكثير من القصص من الأجداد بل من الجدات.

لا أعتقد أن الزمن خطي، وعندما أفكر في أناس يتحدثون عن المستقبل يعنون ما نريد منه وما ينبغي أن يكون لكن الأدب ليس بحثا عن خطة ما، بل التفكير في كل شيء في المشهد وكل الدائرة الزمنية قد يكون الآن والماضي والمستقبل.

وفي الأدب الحديث في ألمانيا النساء يكتبن عن بناء هويتهن وأعتقد أن فكرة الكتابة في الماضي ذكورية جداً، النساء المهاجرات خاصة في ألمانيا يكتبن عن الآن، لأن الماضي حدث في بلد أو مكان آخر، لكني لا أرى استخدام الماضي كقصة فقط بل هو شيء ينبغي على غالبيتنا أن ننساه من أجل الاستمرار في الحياة، فلا بد من نسيان أمور كثيرة للاستمرار ولكن ما تنساه لكي تعيش لا يمكن اقتطاعه من النص.

أحب كثيراً كيف يلعب الأطفال باللغة وهو شيء نسيناه لأننا ينبغي أن نبني لغة منطقية ونتحدث كراشدين فننسى اللعب باللغة ومتعة ذلك التي يحظى بها الأطفال ولكني أحاول استعادة ذلك المرح وهذا قريب جداً مما أعنيه عن الماضي لابد أن ننسى شيئاً لتصبح راشداً ومن الجيد أنك أصبحت كذلك، ولكن في الواقع أنت لاتنساه بل تعتقد ذلك وحسب وهذا ضروري وإلا سيكون مصير الروح أن تدمر بطريقة أو أخرى.

أنت تكتبين الشعر على النمط الأوروبي تقريباً فلماذا لا تكتبين الهايكو؟

لم أكتب الهايكو سوى في المدرسة ولكني استوحيت الكثير من الأفكار من خلال الهايكو، ولكني استخدمت الهايكو في سياق رواياتي بصيغة مختلفة أو أطول قليلاً، ولكني لا أكتبه الآن وقد افعل في المستقبل فهو قصير جداً بالنسبة لي.

وله بنية خاصة حيث لا ينفصل الفاعل عن المفعول به، أو الذات عن الموضوع كل شيء متحد الطبيعة والجسد والروح والعلاقات ليست منطقية ولكن الهايكو يجعلها كذلك، وإذ نعيش مرحلة ما بعد الحداثة لا أستطيع تكرارا هذا النسق علي أن أعيد بناء العلاقات بين الذات والموضوع بما يتواءم مع زمني.

التعليق