لقمان ديركي.. الإنسانية و"الهررية" بين الساخر والمحزن

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 09:00 صباحاً

 بيروت- في نصوص مجموعة "من سيرة الهر المنزلي" القصصية للكاتب السوري لقمان ديركي يرافق القارئ شعور يبدأ بانطباع هو ان ما يقرأه ليس اكثر من سخرية تسيل من خلال وصف لبعض مظاهر الحياة اليومية.

لكن هذا القارئ يجد نفسه في مجالات عديدة -ومن خلال ما يبدو فكاهة و"تنكيتيا" يتناول بعض أوجه حياتنا اليومية والعادية- يغوص في مشكلات ومشاعر انسانية عميقة قد تأتي احيانا مشبعة بأحزان مأساوية لا يتوقعها القارئ من كتابات تركز على العادي بكلام "عادي" لا يدعي العمق الذي يصل الى حدود نظرة فلسفية الى الحياة. لكن هذا العادي يصل احيانا الى كل ذلك ويوصلنا اليه.

مجموعة ديركي وهي العمل السادس للشاعر والكاتب السوري جاءت في نحو 140 صفحة متوسطة القطع واشتملت على 17 قصة قصيرة. وقد صدرت المجموعة عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" وبرسم غلاف لحسن ادلبي.

في القصص ما هو واقعي ممعن في سخره وانواع من المجاز ومن التورية احيانا وفيه كما يبدو لنا في القصة التي أعطت عنوانها للمجموعة دخول عبر ما قد يصح ان نطلق عليه تعبير "الهررية" الى توأم لها بل الى وجهها الآخر أي "الانسانية" فنعيش مع مشكلات وقضايا "انسانية" ربما توهّمنا انها حكر على "بني آدم" وحدهم. وقد يتساءل القارئ هل "يؤنسن" ديركي عالم الحيوان أم أنه يود أن يقول إن "الهررية" هي الأخت الصغرى للانسانية من حيث كثير من المشكلات والاحزان.

قصة "من سيرة الهر المنزلي" تبدأ بهذا الشكل "لم أكن أحب القطط ولم أفكر أبدا بمداعبة أحد القطين اللذين يعيشان في بيتنا بل كنت استغرب دائما ما يجعل القط هكذا ذا كبرياء... إلا أنني غيرت رأيي في إحدى الأمسيات بعد ارتكابي حماقة لا أتذكرها وغيابي لأكثر من أسبوع عن البيت ... عندما فتحت أختي الباب ونظرت إلي ببرود وعتاب فيه شيء من التشفي ... وكان الجميع يحملون ذات المشاعر بل إن أيا منهم لم يرد عليّ وفي تلك اللحظة حدث شيء مدهش، إذ ركض من بين أقدامهم القط الأشقر... ورمى نفسه على صدري معانقا إياي."

وتحدث عن عالم القطط التي تعددت في منزله وعن أحزانها ومشكلاتها وعن الغيرة التي تتملكها عندما تشعر بإهمال وعن "كبر نفس وشهامة" بعضها ودناءة البعض الآخر. ووصف ذلك الشعور الخفي الذي يدفع الواحد منها عند إحساسه بدنو أجله الى الابتعاد ليلقى نهايته وحيدا. ووصف لنا هرا كان يخاف منه فلا يتركه يلمسه حتى حين يطعمه بل كان يسرع الى الهرب. وهنا اورد مثلا يدعم النظرية التي تقول بأن الحيوانات تشعر بحزن الإنسان.

قال "وفي إحدى الليالي كنت حزينا للغاية وكان الجميع نياما. خرجت من غرفتي وفي الممر صادفت جودي "الهر" فجلست على الارض. نظر الي وأحس بحزني ولم يهرب.. بقي واقفا ينظر إلي كأنه يشاركني أحزاني. ولكنه بعد ذلك تراجع إلى الخلف بهدوء شديد وانسحب على مهل كي لا يخدش مشاعري فهو في النهاية يخاف مني بشكل مرعب."

في قصة "مسرح البهجة" مثلا وصف مضحك لبعض مشكلات الطلاب و"مقالبهم" لكن ذلك لا يمر بشكل "مجاني" أي لمجرد سرد بعض قصص"الشيطنة" في ذلك العمر. بل يصل ببراءة مدعاة وحيادية مصطنعة الى انتقاد عقليات تسود بعض مجالات حياتنا الوطنية وحتى بعض أشكال ممارستنا لعباداتنا.

وفي قصة "أمّة فيروز" المهداة الى السيدة فيروز في يوم ميلادها ووسط سرد ممتع وساخر من أمور كثيرة يوصلنا من دون وعظ الى التقدير الكبير الذي تكنه الناس في بلده للفنانة الكبيرة والتي يضعها في منزلة تنظر إليها رموز كثيرة في مجالات حياتنا وبينها رموز سلطوية بطريقة رفع البصر الى أعلى.. الى منزلتها الفنية الكبيرة.

وهو لا يعجب بفيروز فقط بل بنجلها الفنان زياد الرحباني ايضا. ففي قصة "أهلا أخي زياد" مثلا حوار ممتع ساخر يذكرنا بالفنان الرحباني نفسه. ففي حانة فرنسية الاسم "بار شيه اندريه" في بيروت او "عند اندريه" بالعربية يدور حوار مفترض بين زياد ومصطفى او "ابو صطيف الحلبي" التاجر الحلبي الذي جلس قربه وهو لا يعرفه. والحوار اتهام صارخ للمجتمع بعدم تقدير الفنان الحقيقي الذي لا يصل في دخله المادي الى مستوى مغني المطاعم والحفلات والأعراس. ويعكس الحوار أيضا ما يبدو أن الكاتب أراد أن يصفه بأنه اتجاه قوي الى الهبوط يتحكم بالسوق الفنية.

يدور حوار لا نقرأ فيه رد زياد بل نستنتجه من كلام الحلبي. يسأله عن سبب تسمية البار فيرد أنه على اسم صاحب المحل فيشرع الحلبي بمناداة النادل "اخي شيه". ويسأل زيادا عن اسمه واسم عائلته ويقول "رحباني.. اي بيت رحباني معروفين عندنا في حلب.." ويسأله عن عمله ثم يعلق على الرد "موسيقي.. يعني الآتي.. على أي آلة بتعزف..".

وبدا أن الجواب مخيب قليلا، إذ علق الحلبي قائلا "بيانو.. أي إش عليه البيانو آلة كويسة بس المهم وين بتعزف وبتغني.. بأي مطعم يعني... ما بتعزف بالمطاعم ولا بتغني بالأعراس.. أي ما بيصير أخي زياد... تعال لحلب وأنا بدبرك لأنو المطرب سمير جركس صاحبي للموت... بحكي لك معه مشان تطلع وراه بالأعراس والتلبيسات... وبالنسبة للغنى أسهل بكتير. أبوسمرة بيقول "كنا ستة على النبعة" وإنت بترد وراه "أجا المحبوب صرنا سبعة". "يسأله ابو صطيف بعد ذلك" في حدا غيرك بالعائلة بيغني..... الوالدة.. شي حلو... واش اسمها..... فيروز.. فيروز اسم حلو وفني اي والله حرام عليك اخي زياد ليش خانقها ببيروت جيبها لحلب منشان تنطلق... اخي بنجيب الوالدة وبنحطها عند الحاجة امي بيتسلوا مع بعض وهيك بشوف لها اعراس نسوان تغني فيهن.. ما في ولا زلمة بالعرس والفرقة اللي معها كمان نسوان .. قدرية على العود وام ديبو على الكمنجة وام شمندي على الرق وعيوش على الدربكة."

التعليق