المسرحية الأردنية "وادي النسا": رسائل قيميّة احتاجت إلى رؤية إخراجية مثابرة

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 09:00 صباحاً
  • المسرحية الأردنية "وادي النسا": رسائل قيميّة احتاجت إلى رؤية إخراجية مثابرة

تواصل مهرجان المسرح الأردني 13 في دورته العربية الخامسة بعرضين من العراق وتونس

 

محمد جميل خضر

عمان- احتَاجت أول العروض الداخلة في المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح الأردني 13 في دورته العربية الخامسة، إلى رؤية إخراجية تسوّغه وتسوّقه فنيا وجماليا.

ومع الإقرار بوجود نوايا طيبة، ورغبة بإيصال رسائل قيميّة عبر المسرحية الأردنية "وادي النسا" لمخرجها يوسف الجمل عن نص للكاتب الأردني سالم النحاس، إلا أن النوايا الطيبة لا تصنع وحدها مسرحا.

ووقع العمل الذي سخّر له طاقم فني تقني مهم عددا ونوعا، في أفخاخ فنية كثيرة، ليس أقلها الأداء ذا الخط الدرامي الواحد، واللغة الخطابية ثقيلة الجرس والإيقاع والمؤدى الوظيفي، وعلى صعيد النقطة الأخيرة، فقد ظهرت عديد من المفردات السينوغرافية ملتبسة الوظيفة الدرامية أو فاقدتها.

وجاءت ردود فعل المتابعين للعرض الذي قدم أول من أمس على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي، متباينة بين إبداء ملاحظات قوية حول سوية العرض وإخفاقاته الفنية، وبين تساؤل بعض المعنيين بالفن المسرحي المحلي والعربي عن الجدوى من مواصلة تقديم العروض من دون التوقف في مراجعة ذاتية موضوعية، ودعا بعضهم في السياق نفسه، إلى ضرورة متابعة المتخصصين بالمسرح من مخرجين وممثلين وفنيين آخرين وتقنيين لآخر ما وصله أبو الفنون في غير بلد عربي وأوروبي، وطرح آخرون أسئلة ليست من دون مغزى عن دور لجان التقييم وآليات اختيار العروض المشاركة في مهرجان عربي تنافسي، ورأى أعضاء لجان سابقون ومتابعون أن العرض لم يرتق لمستوى نص سالم النحاس، ولم يسبر غوره، لا الفني ولا حتى الجمالي القيمي.

وعلى أهمية الحوار في الفن المسرحي، وفرضية احتلاله ثمانين بالمائة من مساحة العرض ومدته الزمنية، إلا ان نقادا بعينهم، أكدوا ان ذلك لا يعني بشكل من الأشكال، ان يأتي ذلك الحوار مباشرا، او محرضا على عاطفة ميلودرامية، أو مستعيضا عن ضرورة عمق محتواه الفلسفي الوجودي، بالإنشاء والكلمات الكبيرة الرنانة حول خزي من باع وباق وخان، وتوعده بالعار والندامة والحسرة والخذلان، او كما في حوارات أخرى بين سلامه (أدى دوره الممثل داود جلاجل) ووالدته رابعة (أدت دورها الممثلة الشابة لينا الزريقي)، استخدمت فيها عبارات من مثل: أشباه الرجال، مش كل ايشي بندفع حقه، الخوف عيب على الرجال يا أبو زيد، يخشى النوم الخاين الغدّار، وما إلى ذلك من الحوارات المحملة بثقل المعنى المباشر، والدائرة، كما فعل سلامة وآخرون في العرض أكثر من مرة حول نفسها، فالحقيقة مطلقة، أو هذا ما عكسته معظم الحوارات، وكل من المتحاورين منغلق على قناعاته، فلا المستثمر (البشع والانتهازي) الذي أدى دوره الممثل عثمان الشمايلة، ولا جميلة (أدت دورها الممثلة ديانا رحمة)، ولا شقيق سلامه جاسر (أدى دوره الممثل علاء الجمل)، ولا التابع وظل المستثمر (أدى دوره الممثل نضال البتيري)، ولا حتى طيف أمه الراحلة رابعة كانوا قادرين على خلق تفاعل درامي بينهم، وكما لو إنهم داخل جزر معزولة، كل يغني على ليلاه، أو يؤدي المعنى الأخلاقي لدوره بشكل نمطي احتاج إلى كثير من الأنسنة وافتراض احتمالات الخطأ والصواب.

وحتى شكل سقوط جميلة بالمعنى الأخلاقي للسقوط، وقبولها عرض المستثمر الذي كانت رغبته فيها واضحة، جاء غريبا ومباغتا ومن دون مقدمات درامية، ليتبعه مباشرة تراجعها المباغت أيضا بمجرد سماعها موت زوجها سلامه، الذي مات هو بدوره من دون أن يلقي المخرج على مكابداته الأخيرة ضوءا، ولم يحتج الأمر من جميلة سوى قليل من اللطم والمبالغة الميلودرامية قبل أن تنسحب من المشهد وبالتالي العمل برمته، تحولات وانتقالات، ومشاهد فيلمية ومقاطع غنائية وازدحام في الإضاءة ومفردات السينوغرافيا والموسيقى، لم يجمع بينها رابط رؤيوي فكري معرفي فني مقنع.

وظل وادي النسا على مدى مشاهد العرض الذي بلغت مدته زهاء 80 دقيقة، مبهما، مغيبا، إلا في وجدان سلامه وأمه، ضبابيا، حول ما ومن الذي اكسبه هذه القيمة الوجدانية الأخلاقية، وكيف كان وكيف صار؟

كانت الكلمات وحدها، من حاولت حمل مقولة النص والعرض، ولكننا لا نصنع مسرحا بالكلمات والأمنيات، مهما بلغ مؤداها الأخلاقي القيمي، ومهما أردنا لها ذلك.

إلى ذلك، لم يعدم العمل الذي يشكل واحدا من أعمال أردنية ثلاثة مشاركة في المهرجان، من اضاءات، خصوصا استهلاله السينوغرافي، مع التحفظ على المشاهد الإخبارية حول الأحداث التي تمور بها منطقتنا، لغياب العلاقة الدرامية الموضوعية الواضحة بينها وبين السياق العام للعمل بعد ذلك، وجاءت لعبة الصغيرتين التي تشبه بندول الحياة نفسها، محملة بالدلالات، وان كانت هذه اللحظة هي المعنى البندولي المتأرجح الوحيد في عمل، سار من أوله حتى نهايته بخط مستقيم، صارم، وصولا لما يريده فقط، لا لما يشكل ضرورات ومستلزمات فنية جمالية إخراجية.  

ويتواصل مساء اليوم، المهرجان، بعرضين، إعادة للتونسي "أهل الهواء" لمخرجه

عبدالوهاب الجملي في السادسة والنصف على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي، وعرض أول للعراقي "البدوي والمستشرق" لمؤلفه ومخرجه عقيل مهدي يوسف في الثامنة على المسرح الرئيسي في المركز.

التعليق