محمود درويش في نصه "في حضرة الغياب": علّمني الشعر لكي أرثيك الآن

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً
  • محمود درويش في نصه "في حضرة الغياب": علّمني الشعر لكي أرثيك الآن

 

بيروت - أصبح مصطلح "نص" الشائع الآن يفهم على انه كتابة ذات حدود مطاطة أو من دون حدود وفيه تلتقي أنواع وأساليب ادبية مختلفة تترافد وتتكامل لخلق حالات تعوّد القارئ على ان يأتيه بعضها من خلال نمط او اسلوب كتابة منفرد.

ولا شك في ان "النص" يعطي الأديب مجالا من الحرية اوسع مما كان يتوفر له في المجالات الأخرى وهو بمعنى من المعاني مجال راحة للتخلص من قيود تتخذ بصورة متزايدة سمات القواعد التقليدية لكنه ليس في اي صورة من الصور مهربا من العمل الجدي -موهبة وصنعة- او مرتعا للاستسهال.

لكننا في كتاب الشاعر محمود درويش الجديد "في حضرة الغياب..نص" ومع هذه المراوحة العميقة بين حالات وانماط متنوعة نجد ان مصطلح النص هذا يتحول الى ما يبدو حالات مختلفة من التجارب الشعورية بل من "الشعر" وقد اتخذت من "النص" في تشعباته اقنعة فنية لها.

فما قدمه الشاعر الفلسطيني يفيض شعرا في مجالاته كافة بما يجعل القارئ يحس بأنه لا يتصرف -في حكمه- بعدالة مقنعة اذا اعطاه صفة اخرى. وليس في هذا الأمر غرابة.. فمن شبه المسلم به ان الشعر لا ينحصر في مجال الكتابة المسماة شعرية بل اننا نواجهه ونتمتع به في فنون جميلة أخرى وفي انواع ادبية منها مثلا الرواية والمقالة بعض الكتابات الفكرية ايضا وفي مجالات يصعب حصرها نهائيا.

كتاب درويش الذي صدر عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" جاء في 181 صفحة متوسطة القطع وبغلاف من تصميم محمد حمادة.

في هذا "النص" نلتقي تجارب درويش.. بعض افكاره وثوراته التي بدا عليها تعب وشيب ويسيطر عليها الآن هدوء كأنه النار المترمدة.. واوجاعه واحلامه المنكسر منها وهو الكثير و"الرواقي" المتصابر وهو نادر فاذا لمحناه فهو يبدو لنا اسرع من ومضة برق.

في مواد نص درويش مهما تعددت نشعر بان نبضة العمل الشعري المألوف عنده لم تغب وانها تحولت الى ما يشبه الإيقاع الخفي المستمر الذي يحلو للبعض ان يطلق عليه تعبير "نبض الحياة" الدائم في تجلياتها المختلفة.

يستهل درويش كتابه ببيت لمالك بن الريب قد يكون على قدمه موغلا في "حداثة" تجسدها لا حياة الشاعر وحده بل حياة الانسان الفلسطيني. اما البيت فهو "يقولون لا تبعد وهم يدفنونني/ واين مكان البعد الا مكانيا.."

يبدأ درويش في القسم الأول من الكتاب بكلام مشدود بين الانسان "القائل" وبين القول نفسه.. بين التجربة الخارجة من الذات والمتحولة الى امر آخر بل إلى "عالم" آخر محتلف. انها علاقة مجازية وملتبسة الى حد بعيد بين الحياة والموت او انها احيانا الذات تشيّع ذاتها. يقول "سطرا سطرا انثرك امامي بكفاءة لم اؤتها الا في المطالع/ وكما اوصيتني اقف الآن باسمك كي اشكر مشيعيك الى السفر هذا الاخير وادعوهم الى اختصار الوداع والانصراف الى عشاء احتفالي يليق بك... ولنذهبن معا انا وانت في مسارين أنت الى حياة ثانية وعدتك بها اللغة في قارئ قد ينجو من سقوط نيزك على الارض. وانا الى موعد ارجأته اكثر من مرة مع موت وعدته بكأس نبيذ احمر في احدى القصائد..."

وفي بعض حديث شعري سيال عن رحلة العمر ينتقل درويش من كلام يفيض شعرا الى شكل شعري "كرّس" شعرا حديثا. أنه يتنقل بين شعر وشعر. وفي ذلك النبض المشبع بالحزن والأسى والحنين الى يوم مضى والمتتابع تتابع نبض الحياة.

يقول درويش متحدثا عما تعجز عن التقاطه الحواس الخمس لأنه ارفع منها وابعد. يطلب الشاعر عودة الى الامور بطبائعها وحقائقها التي يعرفها الطفل معرفة حقيقية مباشرة لا بمسمياتها الطارئة وصورها الاضافية المصطنعة. انها رحلة البحث عن انفسنا السالفة في عمق انفسنا التي تراكمت عليها بصمات الزمن وتوقيعاته وانهياراتنا الكثيرة. لقد حولنا الزمن الى مدافن تغيب فيها انفسنا القديمة واحلامها.

يقول "ثمة شيء يتزيا بالغامض.. لا يشتم ولا يلمس ولا يتذوق ولا يبصر.. هو ما يجعل الطفولة حاسة سادسة.. فسمّوك الحالم من فرط ما ركبت للكلمات من اجنحة لا يراها الكبار وتحرشت بالغامض واغتربت/ فانهض من هذا الابيض/ عد طفلا ثانية/ علمني الشعر/ وعلمني ايقاع البحر/ وارجع للكلمات براءتها الاولى/ لدني من حبة قمح لا من جرح لدني/ واعدني لاضمك فوق العشب الى ما قبل المعنى/ هل تسمعني قبل المعنى/ كان الشجر العالي يمشي معنا شجرا لا معنى/ والقمر العاري يحبو معنا قمرا/ لا طبقا فضيا للمعنى/ عد طفلا ثانية/ علمني الشعر/ وعلمني ايقاع البحر/ وخذ بيدي/ كي نعبر هذا البرزخ ما بين الليل وبين الفجر معا/ ومعا نتعلم اولى الكلمات/ ونبني عشا سريا للدوري / اخينا الثالث/ عد طفلا لارى وجهي في مرآتك/ هل انت انا/ وانا انت/ فعلمني الشعر لكي ارثيك الان الان الان/ كما ترثيني ".

التعليق