"ليْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مٍنْ أَلْفِ شَهْرٍ"

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 09:00 صباحاً

عماد الراعوش

عظم الله شهر رمضان وكتب فيه الصيام تعظيما وإجلالا لقدر القرآن الذي نزل فيه. عظم الشهر الذي نزل فيه القرآن وجعله أعظم أيام السنة، وعظم الليلة التي نزل فيها وجعلها أعظم ليالي الشهر، بل أعظم ليالي السنة كلها، قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم".  

ذلك لأنها الليلة التي نزلت فيها هداية السماء التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، لذا عظم الله تلك الليلة وباركها، قال تعالى:"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرين فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِندِنَا إنَّا كُنَّا مُرْسِلين رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الدخان: ا- 6) ليلة نزلت فيها نُذُرُ الله ورحمته وهدايته التي فرقت بين الحق والباطل والحكمة والضلال. ليلة جعلها الله خيرا من ألف شهر، قال تعالى" إنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مٍنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَلُ الملائِكَةُ وَالْرُّوحُ فيِها بإِذْنِ رَبِهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ مَطْلَعِ الْفَجْرِ"(القدر: ا- 5)  

ليلة ينزل فيها عباد الله الأطهار وتسبح فيها الملائكة ما بين السماء والأرض، ينشرون الطهر وقد امتلأت الأرض عبادا أشرارا ملأوها بالشر، ليلة يبدؤها السلام ويعمُّها ويستغرق لحظاتها كلها حتى يطلع فجرها، فهي سلام من أولها إلى آخرها، سلام حل على العالمين في ليلة عمّ فيها الظلم والعدوان، وكانت البشرية فيها في أمس الحاجة إلي السلام.

لقدر هذه الليلة ومكانتها سماها الله ليلة القدر، فصارت وكأنها القدر المعهود كله، ولقدرها شرع الله لنا أحياءها، وغفر لمن أحياها إيمانا واحتسابا ما تقدم من ذنبه. لكن شاء قدر الله وقدرته أن ينزل موعد تلك الليله ثم يرفع فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر بليلة القدر، فتلاحى (أي تشاجر) رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة". أنسي النبي صلى الله عليه وسلم موعد تلك الليلة لمّا رأى الرجلين يتشاجران ومثل ذلك ينافي كون هذه الليلة ليلة السلام، لكن بقي في ذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم من موعدها أنها في العشر الأواخر من رمضان، أو في الوتر كما في بعض الروايات، قال صلى الله عليه وسلم:" تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان".

من هنا حث النبي صلى الله عليه وسلم على إحياء العشر الأواخر كلها طلبا لتلك الليلة وحرصا على موافقتها، روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان "إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشَدَّ مِئْزره". فمن أراد موافقتها على وجه اليقين فليحيي العشر الأوخر، ومن قصر عن ذلك لعذر فعليه بالسبع الأواخر، فقد روي أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر". ومن قصر عن ذلك فعليه بليلة السابع والعشرين، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين." وهذا مرو عن كثير من الصحابة، حتى إن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كان يحلف ولا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. 

ومما يستحب في هذه الليلة القيام وتلاوة القرآن والدعاء، ومن الدعاء ما علمه النبى صلى الله عليه وسلم عائشة- رضي الله عنها- حين قالت:"يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعف عني".

دكتوراة في التفسير وعلوم القرآن

التعليق