رحمة الله ورسوله وكتابه في الخلق

تم نشره في السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً

 

أمين أبو ليل

 

أخذ القرآن مكان الصدارة في حياة المسلمين منذ نزل من السماء، يرسم معالم الطريق ويصنع أساس التشريع، وينظم السلوك ويسمو بمدارك الإنسان، فليس عجيباً أن يلتف المسلمون حوله ينهلون من ينابيعه، ويتظللون بظلّه، ويسيرون على هداه. وكان طبيعياً أن يتأملوا أساليبه، وطرق التبصير فيه، فيأخذهم الدهش، وتمتلئ قلوبهم بنور العقيدة، وتنبهر نفوسهم أمام بيانه وهم أساطين البيان.

وقد ألزم الحق سبحانه نفسه بالحفاظ عليه في قوله:"إنّا نحن نزّلْنا الذكْر وإنّا له لحافظون" (الحجر: 9). لذا ضاعت جهود العابثين والحاقدين هباءً، رغم تحدّي الحق لهم في أكثر من آية، وحفزهم على المحاولة لبيان عجزهم فقال: "قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" (الإسراء: 88).

فالقرآن كلام الله المعجز للخلق في أسلوبه ونظمه، وفي علومه وحكمه وفي تأثير هدايته، وفي كشفه الحجب عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وقد تحدّى محمد رسول الله – النبي العربي الأمي – العرب بإعجازه وحكى لهم عن رب العالمين القطع بعجزهم عن الإتيان بسورة من مثله، فظهر عجزهم على شدة حرصهم على إبطال دعوته، ونقل المسلمون هذا التحدّي إلى جميع الأمم فظهر عجزها أيضاً، وشهد للقرآن ألدّ الأعداء مثل الوليد بن المغيرة وعقبة الذي يصف القرآن بقول فصيح: "والله إني سمعت قولاً ما سمعت مثله قطّ والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش؛ أطيعوني واجعلوها بي وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت – يقصد القرآن – نبأ عظيم".

وسنحاول في هذه العجالة أن نعرّف هذا الكتاب الذي شغل الدنيا فقد ورد ذكره على لسان الحق فقال: "إنّ علينا جمّعه وقرآنه، وإذا قرأناه فاتّبع قرآنه" (القيامة:17،18). وقال تعالى:"وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا" (الأعراف: 204).

ويذكر العلماء أن تسميته قرآناً من بين الكتب السماوية لكونه جامعاً لثمرتها جميعاً، بل لجمعه ثمرة كل العلوم مصداقاً لقوله تعالى: "ونزّلنا عليك الكتاب بالحق تبياناً لكلّ شيء" وقوله تعالى في سورة الأنفال: "ما فرّطْنا في الكتاب من شيء".

وتعريف القرآن كما أورده الأصوليون والفقهاء: "كلام الله تعالى المنزّل على محمد، المكتوب في المصاحف، المعجز بلفظه ومعناه، المتعبّد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس".

حين نقول في التعريف كلام الله تعالى فقط دخل فيه كل كلام الله السابق لرسالة القرآن من صحف وكتب وتوراة وإنجيل، فكل ما سبق كلام الله. إلا أننا ندرك بأن هذا التعريف استثنى غير الله أي أنه ليس من كلام الإنس وإن كانوا أنبياء ولا الجن ولا الملائكة.

وحين نقول المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم، نستبعد الكتب السماوية الأخرى لأنها لم تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بل على إخوته من الرسل، فالتوراة تختص بموسى عليه السلام والإنجيل يختص بعيسى عليه السلام، وهكذا نقول في صحف إبراهيم وموسى.

وقول المعرّف "المعجز بلفظه ومعناه: دلالة عدم القدرة على الإتيان بالمثل، فكيف بالأصل نفسه". وحتى يميّز بين كلام الله في الأحاديث القدسية وكلامه في القرآن، أن الثاني نتعبّد به في الصلاة، أما الأحاديث النبوية والقدسية فلا نجوز أن نقرأها أثناء الصلاة بدلاً من تلاوة القرآن.

وتعظيماً لكتاب الله أطلق الحق سبحانه عليه أكثر من خمسين اسماً معظمها صفات عظيمة تدلل على عظمة المعطي وهو الله وعظمة الهدية وهي القرآن ومن هذه الأسماء:

* القرآن: وقد أُخذ من القراءة والمداومة عليها: "إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" (الإسراء: 9) .

* الفرقان: لأنه يفرّق عبر آياته بين الحق والباطل: "تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً(الفرقان: 1). ولفظ الفرقان من أصول آرامية يفيد معنى التفرقة بين أمرين.

*الكتاب: وجاءت في مواضع كثيرة كقوله تعالى: "لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم"(الأنبياء10).

وإذا ذكر لفظ الكتاب من غير تقييد بوصف أو إشارة كانت دالّة على القرآن كما قال تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخر متشابهات" ( آل عمران: 7).                          

وإذا كان مقيّداً فالإشارة إلى غير القرآن كقوله تعالى: "وآتينا الموسى الكتاب"(الإسراء: 2).

*ومن أسماء القرآن التنزيل كقوله تعالى: "وإنه لتنزيل ربّ العالمين"(الشعراء: 92 ). وجاءت من الفعل الرباعي نزّل وتفيد المهلة والتراخي في النزول.

ويرى أساتذتنا أن تسمية القرآن بهذا المسمّى كونه متْلوّاً بالأمن كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوّناً بالأقلام، وفي تسميته بهذين الإسمين إشارة إلى أن من حق القرآن العناية والحفظ في موضعين هما الصدور والسطور، أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى. وسمّي القرآن كذلك بالذكر لقوله تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" وفسّرها البعض بأن تذكر الله في صلواتك وتسبيحاتك، ولكن أفضل الذكر كتاب الله.

ومن جميل صفات القرآن كما أوردها الحق سبحانه تعظيماً لشأن هذا الكتاب:

*نور: "يا أيها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً" (النساء: 174).

*موعظة وشفاء، وهدى، ورحمة: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصدور وهدىً ورحمةً للمؤمنين" (يونس:57 ).

*مجيد: "ق والقرآن المجيد" (ق: 1)، "بل هو قرآن مجيد" (البروج: 2).

*مبارك: "وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ مصدّق الذي بين يديه" (الأنعام: 92).

*بشير ونذير: "كتابٌ فصّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً"(فصّلت: 3- 4).

وكان من نعم الحق سبحانه أن أنزل هذا القرآن عبر رحلة نبوية استمرّت ثلاثة وعشرين عاماً، تتوالى سوره وآياته حسب مقتضى الحال، تأتي شافية للنفوس مدخلة الطمأنينة على قلب رسول الله، تعزّز ثقته بربّه وتزيد المسلمين تمسّكاً به، ويجيب عن تساؤلات هذه الأمة، حول دين كان جديداً، وبحاجة إلى الوضوح والتحليل.

كانت غزوة بدر الكبرى، وأثيرت قضية الأنفال وهي الغنائم التي تُجنى بعد الحروب عادة، وكادت الفرقة في الرأي تعصف بالمسلمين حول كيفية توزيع الأنفال حتى نزلت سورة الأنفال بعد الغزوة مباشرة لتضع النقاط على الحروف في قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإنّ لله خُمُسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير"(الأنفال:41).

وذكّرهم في بداية السورة أن الأنفال أصلاً لله والرسول، فالحق بمثابة السلطة التشريعية فهو الذي يشرّع القسمة – سبحانه–، والرسول (صلى الله عليه وسلم) بمثابة السلطة التنفيذية لأنه ينفّذ القسمة كما أرادها الله سبحانه في قوله : "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين".

استاذ اللغة والمعاجم في جامعة فيلالدلفيا

التعليق